تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

266

وقد وصل إلينا نوع ثالث نظن أن الفاطميين كانوا يتخذونه عوضا عن الخزف. وعلى كل حال فهو غير شفاف، وقد يكون أخضر اللون - كالسيلادون - كما قد يكون أبيض أو أحمر، أما زخارفه ذات البريق المعدني فتعلو السطحين الداخلي والخارجي في الإناء، وهي كثيرة الشبه بالزخارف في الخزف ذي البريق المعدني.

ومهما يكن من شيء فإن استخدام الزخارف ذات البريق المعدني في الزجاج من مستحدثات الفنون الإسلامية، ولعل الباعث عليه كراهية استعمال الأواني الذهبية في الدين الإسلامي، والرغبة - على الرغم من ذلك - في شيء يتفق وأبهة الخلفاء والأمراء وثروة البلاد وميل الشرق إلى الترف والعظمة، ويخرج في الوقت نفسه عن نطاق التحريم.

وقد وجدت في سامرا بعض قطع زجاجية عليها رسوم فروع نباتية بالبريق المعدني

267

مما يحمل على القول بأن استخدام البريق المعدني في زخرفة الزجاج نشأ بالعراق في القرن الثالث الهجري (التاسع)، ثم قلده القوم على ضفاف النيل، حيث نرى أن القطع الزجاجية المزخرفة على هذا النحو أحدث عهدا وأقل دقة في الرسم واللون.

268

وفي القسم الإسلامي من متاحف برلين قنينة من القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) وعلى جسمها المخروطي الشكل شريط من زخرفة بالبريق المعدني، قوامها فرع نباتي دائر (أرابسك)، كما أن على رقبتها شبه زخرفة كتابية بالبريق المعدني أيضا.

269

ومن التحف الزجاجية النادرة محبرة من القرن السادس الهجري (الثاني عشر) محفوظة في القسم الإسلامي من متاحف برلين،

270

وهي من زجاج سميك يقلدون به البلور الصخري.

والواقع أن دار الآثار العربية والقسم الإسلامي من متاحف برلين غنيان بنماذج القناني والكئوس الزجاجية، ولا سيما ما كان منها ذا زخارف مضغوطة،

271

كما أن في دار الآثار عددا من القماقم (رقم السجل 13504 و13506) الجميلة بزخارفها المضغوطة، وبالأسلاك الزجاجية الملفوفة حول كل رقبة منها، فضلا عن شكلها الممشوق ولونها الطبيعي. بينما نرى في القسم الإسلامي من متاحف برلين كأسا ذات أذنين جميلتي الشكل، وعليها زخارف مضغوطة في الزجاج الأزرق اللون أو ملصوقة به، وهيئة هذه الكأس غاية في التناسب والتناسق والإبداع،

272

وأكبر الظن أنها من صناعة سورية.

بقي علينا الكلام عن نوع من الأقداح الزجاجية يسميه الغربيون كئوس القديسة هدويج

Hedwigsglas

وهو من الزجاج السميك الثقيل، ذي الزخارف المقطوعة والمضغوطة. والأصل في هذه التسمية أن كأسين من هذا النوع كانت في حيازة الدوقة القديسة هدويج الألمانية المتوفاة سنة (1243) ميلادية، وتتميز هذه الأقداح بأنها في هيئتها العامة تشبه شكل الدلو أو السطل، وبأن دائر قاعدتها بارز إلى الخارج، وبأن سطحها تغطيه زخارف مقطوعة تمتد على مساحته كلها حتى لا يسهل تمييز الأرضية من الموضوعات الزخرفية،

273

وتتكون تلك الزخارف من أسود وطيور ناشرة أجنحتها، وأشجار خلد ومراوح نخيلية (بالمت)، وعلى إحدى هذه الكئوس رسم هلال وعدد من النجوم كأنها رنك،

274

كما أن بعضها رسم ترسة غريبة تشبه شكل العين.

275

والمعروف من كئوس القديسة هدويج نحو عشر تحف، أهمها موجود في كاتدرائية مدينة مندن

Minden

بمقاطعة بروسيا،

276

وفي كاتدرائية كراكاو ببولنده،

277

وفي متحف امسترام

278

Rijksinuseum

وفي المتحف الألماني بمدينة نورنبرج،

279

وفي متحفي غوطا وبرزلاو، وفي كاتدرائية هلبرشتاد

Halberstadt

بمقاطعة بروسيا.

280

وقد كان الاختلاف كبيرا بين علماء الآثار ومؤرخي الفن على تعيين الإقليم الذي صنعت فيه هذه الكئوس، فنسبها بعضهم إلى بوهيميا وإلى أقاليم ألمانية أخرى، كما نسبها أكثرهم إلى مصر في القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) في نهاية العصر الفاطمي وفي بداية عصر الأيوبيين. وقد كشفت قنينة عليها زخارف تشبه زخارف كئوس القديسة هدويج؛ وهي محفوظة الآن في متحف بناكي بأثينا، وهي ترجح نسبة هذه الكئوس إلى مصر.

الكنوز الفاطمية · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكنوز الفاطميةص ٥٩