تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومهما يكن من شيء فإن مراكز صناعة الزجاج في مصر الإسلامية كانت في الفسطاط ومدينة الفيوم والأشمونين والشيخ عبادة، ولا ريب في أن الإسكندرية لم تفقد كل ما كان لها من خطير شأن في هذا الميدان، على الرغم من أن الفسطاط انتزعت منها القيادة فيه.

ومع ذلك فقد عثر على بقايا تحف زجاجية في غير هذه المراكز التي ذكرناها؛ فكشفت بعض النماذج في مدينة حابو، وكوم بلال، وقوص، وأبيدوس، وأخميم، وأسيوط، والمنيا، والبهنسا، وأهناسية المدينة، وهوارة، وأطفيح، وسقارة، وميت رهينة، وكوم الأتريب

262 ... ولكننا لسنا نظن أن كل هذه النماذج ترجع إلى العصر الإسلامي.

ثم إننا يجب أن نذكر الزجاج الذي وجد في أطلال الفسطاط أو غيرها من المدن التي أشرنا إليها ليس كله من منتجات الصناعة؛ فإن بعضه وارد من سورية، كما كانت سورية نفسها بل والبلاد الأوروبية ترد إليها كثير من التحف الزجاجية المصنوعة على ضفاف النيل.

ولا شك أيضا في أن زخرفة الزجاج في بداية العصر الفاطمي لم تكن تختلف كثيرا عن زخرفته في عصر الإخشيديين، وأنها أخذت تتطور بعد ذلك في خطوات سريعة ليكون لها الطابع الفاطمي الخاص؛ على أن هذا التطور كان في دقة الصنعة وإتقان الزخرفة وغناها أكثر مما كان في الأساليب الفنية أو في الهيئة نفسها، فإننا نرى أن في عصر الفواطم ما كنا نراه قبله من زخرفة الأواني بخيوط رفيعة من الزجاج تلف وتضغط عليها، كما نرى فيه أيضا القناني الصغيرة ذات الأضلاع التي تزينها الخطوط المتعددة الألوان.

ودار الآثار العربية غنية بما فيها من القناني والزجاجات الصغيرة المصنوعة بطريقة القطع والنفخ، وبعضها ملون، بينما أغلبها لا لون عليه ولا يستخدم في غير العطر.

وفيها قطعة من سلطانية (رقم السجل 2463)، مادتها من الزجاج الأبيض اللبني وعليها زخارف زرقاء عظيمة البروز، كان قوامها شريطا فيه رسم تيوس متقابلة وفوق هذا الشريط كتابة بالخط الكوفي، وأكبر الظن أن هذه القطعة ترجع إلى بداية العصر الفاطمي.

263

ومن القناني التي عرف بها العصر الفاطمي نوع كروي الجسم وله رقبة أسطوانية طويلة، وعليه زخارف هندسية أو حيوانات في جامات، ومثال ذلك: قنينة في القسم الإسلامي من متاحف برلين ترجع إلى القرن الخامس أو السادس الهجري (الحادي عشر أو الثاني عشر)،

264

واثنتان في متحف المتروبوليتان بنيويورك.

265

وفي دار الآثار العربية قطع شطرنج من الزجاج، عليها زخارف بيضاء فوق أرضية حمراء، وتشبه هذه القطع الزجاجية القطع التي كانت تصنع في العصر الفاطمي من مواد أخرى كالعاج والعظم والبلور الحجري؛ ولذا أمكن نسبتها إلى عصر الفواطم، وإن كانت في الواقع لا تختلف كثيرا عما كان يصنع من نوعها في عصر العباسيين.

على أن أرقى المصنوعات الزجاجية الفاطمية وأكبرها قيمة فنية، إنما هو الزجاج المذهب والمزين بزخارف ذات بريق معدني، وقد وصلت إلينا بعض نماذج كاملة منه؛ ولكنها ليست لسوء الحظ من النوع الممتاز، الذي لا نعرفه إلا بقطع مكسورة عثر عليها في حفائر الفسطاط، وحفظت في دار الآثار العربية أو أمكن إرسالها إلى متحف بناكي بأثينا وبعض المتاحف الأجنبية الأخرى.

ومن أهم أنواع الزجاج ذي البريق المعدني نوع أحمر عليه زخارف من رسوم طيور بالبريق المعدني، تمت بصلة كبيرة إلى الرسوم التي نعرفها على الخزف الفاطمي ذي البريق المعدني؛ بل إن هناك قطعة من هذا النوع عليها إمضاء سعد وهي محفوظة في متحف بناكي بأثينا. والمشاهد أن القطع غير الممتازة من هذا النوع تتكون زخارفها من رسوم نباتية أو من أشرطة وخيوط متعرجة ونحو ذلك من الزخارف الهندسية.

وهناك نوع آخر يميل لونه إلى الخضرة وزخارفه المعدنية، ليس فيها لمعان البريق المعدني المعهود. وقوام هذه الزخارف أشكال نجمية وهندسية متداخلة في بعضها أو وريدات متعددة الفصوص أو خطوط لولبية الشكل.

الكنوز الفاطمية · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكنوز الفاطميةص ٥٨