252
والواقع أن حلب ذاع صيتها في إنتاج الأواني الزجاجية، ولا سيما في عصر المماليك، فكان سوق الزجاج فيها قبلة التجار والغواة والأثرياء، وكانت مصنوعاتها ذات الصفة الدقيقة والزخارف البديعة من أثمن الهدايا وأجمل المقتنيات.
253
ونحن إذا استطردنا في الكلام عن صناعة الزجاج في المدن السورية؛ فذلك لأن سورية ومصر كانتا في أكثر عصور التاريخ جزأين من حكومة واحدة، أو أن حكام وادي النيل كانت تدفعهم الضرورة الحربية إلى السيطرة على سورية. والذي يعنينا في هذا المقام أن الطولونيين والفاطميين والأيوبيين ثم المماليك كانوا يسيطرون على أجزاء واسعة من سورية، إلا في فترات قصيرة.
254
ولنعرج الآن على تاريخ تلك الصناعة في مصر نفسها؛ فيسترعي انتباهنا منذ البداية أننا لا نكاد نملك شيئا يثبت لنا تقدمها وازدهارها في القرون الثلاثة الأولى بعد الفتح العربي، فالقوارير التي عثر عليها وتنسب إلى تلك الفترة ليست لها قيمة فنية كبيرة؛ لبساطة زخارفها أو لخلوها من الزخارف، فضلا عن أن صنعتها ليست دقيقة جدا. أما إبداع شكلها واعتدال نسبها في بعض الأحيان فراجع إلى بقية من الأساليب الفنية المورثة منذ القدم، ولكن نوعا من المصنوعات الزجاجية كان رائجا في هذا العصر وفي العصر الفاطمي، ونقصد بذلك الأقراص الزجاجية التي كانت تتخذ عيارات وزن وكيل، فكان يطبع بها على الأواني لبيان أحجامها المختلفة،
255
وكثير منها بأسماء ولاة مصر وبأسماء الخلفاء الفاطميين. وقد أهدى المغفور له الملك «فؤاد الأول» إلى دار الآثار العربية مجموعة خطيرة الشأن من هذه الأقراص الزجاجية، والمعروف أن الزجاج كان مستعملا بمصر في هذا الشأن إبان العصر الروماني.
ويحدثنا المقريزي عند الكلام على قرية سمناي من قرى تنيس، أن قوما كشفوا فيها سنة (837ه/1433م) عن «غضارات زجاج كثيرة مكتوب على بعضها اسم الإمام المعز لدين الله، وعلى بعضها اسم الإمام العزيز بالله نزار، ومنها ما عليه اسم الحاكم بأمر الله، ومنها ما عليه الإمام الظاهر لإعزاز دين الله، ومنها ما عليه اسم المستنصر وهو أكثرها.»
256
ومهما يكن من شيء فإن صناعة الزجاج تقدمت في العصر الفاطمي تقدما عظيما، كان سبيلا إلى بلوغها الذروة العليا في عصر المماليك، الذي صنعت فيه المشكاوات المموهة بالمينا وهي فخر صناعة الزجاج عند المسلمين على الإطلاق.
ويقوم على جودة الأواني الزجاجية الفاطمية أدلة تاريخية، وأدلة مادية: الأخيرة مستمدة مما وصلنا من كئوس وقوارير وغيرها، وأما الأولى فقوامها ما كتبه ناصر خسرو عن رحلتيه في مصر بين عامي (439 و441ه/1046 و1050م).
فقد كتب هذا الرحالة الفارسي أن البقالين والعطارين وبائعي الخردة كانوا يأخذون على عاتقهم إعطاء الزجاج والأواني الخزفية والورق ليوضع فيها ما يبيعونه؛ فلم يكن لازما أن يبحث المشتري عن شيء يضع فيه ما يبتاعه.
257
كما كتب أيضا أن التجار الذين يذهبون إلى بلاد النوبة كانوا يبيعون فيها الخرز والأمشاط والمرجان،
258
وأن المصريين كانوا يصنعون في مصر زجاجا شفافا عظيم النقاوة يشبه الزمرد ويباع بالوزن.
259
وكان ناصر خسرو شديد الإعجاب بسوق القناديل - بجوار جامع عمرو - فقال: إنه لم يعرف مثله في أي بلد آخر، ووصف رواج التجارية فيه، ذاكرا أن أثمن التحف وأندرها كانت ترد إلى هذه السوق من جميع أنحاء الدنيا،
260
ولسنا نزعم أن هذه السوق كان يسمى «سوق القناديل» نسبة إلى مصابيح كانت تصنع فيه كما زعم بعض مؤرخي الفن الإسلامي، فقد نبه الأستاذ فييت إلى أن منشأ هذه التسمية أن سكان هذا الحي كان لكل منه قنديل معلق على باب مسكنه؛
261
ولكننا رغم ذلك نعلم أن المصنوعات الزجاجية كانت من البضائع الرائجة في ذلك السوق.