242
ونحن نميل إلى اتباعهما في هذا الرأي وإن كنا لا نملك لإثباته أي دليل قوي، اللهم إلا الشعور بأن هذا الأسلوب في الصناعة أكثر تقدما في التطور العام من سائر الأساليب التي نعرفها في العصر الفاطمي، فضلا عن أنه يناسب ما نعرفه عن العصر الأيوبي من رجوع عن أبهة الفواطم وبذخهم.
ولسنا نستطيع أن نختم كلامنا عن الخزف الفاطمي دون أن نكرر ما ذكرناه عن صعوبة دراسة الخزف الإسلامي في الوقت الحاضر، وفي اعتقادنا أن مثل هذه الدراسة لن تكون مجدية نافعة قبل الانتهاء من دراسة مجموعة دار الآثار العربية درسا وافيا، وكتابة المؤلف الجامع الذي تعتزم الدار إخراجه عن هذا الموضوع. (5) صناعة الزجاج
لم تكن هذه الصناعة في مصر وليدة العصر الإسلامي؛ بل إنها ترجع إلى الأسرة الثامنة عشرة من حكم الفراعنة، فقد كشف فلندرز بتري
Flinders Petrie
آثار مصنع من مصانع الزجاج في تل العمارنة، كما حفظ قبر أمينوفيس الثاني في بيبان الملوك كثيرا من الأواني الزجاجية المتعددة الألوان،
243
وظلت هذه الصناعة زاهرة في العصر الإغريقي الروماني،
244
ثم تطرق إليها الانحلال قبيل الفتح العربي؛ ولكنها أخذت تتقدم سريعا في العصر الإسلامي.
وكذلك ازدهرت صناعة الزجاج في سورية منذ العصور القديمة، وظلت هذه البلاد في العصر العربي موطن تلك الصناعة بعد أن أصابها شيء من الركود قبيل الفتح العربي؛ بسبب احتلال الفرس والاضطرابات السياسية؛ بل إنها أثرت في العصر الإسلامي على صناعة الزجاج في الشرق الأدنى بتمامه، فكان صانعو الزجاج في العراق - وحتى في مصر - يقلدون أشكال الأواني، والأساليب الزخرفية في التحف
245
الزجاجية التي كانت تنتجها أمهات المدن في سورية وفلسطين، كصور وأنطاكية وعكا والخليل ودمشق وحلب.
وهكذا نرى أن مصر وسورية كانت لهما القيادة في صناعة الزجاج منذ العصور القديمة، وإن هذه القيادة ظلت لهما في العصر الإسلامي، وطبيعي أن يكون صناع الزجاج في الإسلام ورثوا قسطا كبيرا من الأساليب الفنية عن أجدادهم القدماء، وأن يكون التطور في هذه الصناعة تدريجيا حتى إننا لا نستطيع في أكثر الأحيان أن نجزم بنسبة تحفة زجاجية إلى العصر الإسلامي، إلا إذا كان في شكلها أو في أساليب زخرفتها ما ينطق تماما بأنها إسلامية. ولا غرو فإن الحفائر في أطلال المدن الإسلامية كشفت عن عدد كبير من القناني والقوارير والأواني الزجاجية، هيئتها هلنستية أو رومانية، وقد يكون عليها من الكمخ أو التقزيح
246
ما نراه على الأواني التي صنعت في العصور القديمة.
وقد جاء ذكر الزجاج الإسلامي في كثير من كتب الأدب والتاريخ والرحلات، ولا محل لأن نأتي هنا بكل النصوص الخطيرة الشأن في هذا الموضوع، بعد أن جمعها الدكتور لام
C. J. Lamm
ونقلها إلى الألمانية في الكتاب الذي ألفه عن زجاج الشرق الأدنى في العصور الوسطى.
247
وهو أوفى المراجع وأتمها في هذه الناحية من دراسات الفنون الإسلامية.
وحسبنا الآن أن نشير إلى الشهرة التي كانت لليهود في صناعة الزجاج بصور وأنطاكية،
248
وأن نذكر أن الثعالبي المتوفى في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر) كتب أن المثل كان يضرب برقة الزجاج السوري ونقاوته،
249
كما أننا نعرف أن ابن النديم ذكر اسم إسحاق بن نصير في أخبار الكيميائيين والصنعويين من الفلاسفة القدماء والمحدثين، وكتب أنه كان ممن يتعاطى الصنعة وله معرفة بالتلويحات وأعمال الزجاج، وأن له من الكتب كتاب التلويح،
250
وسيول الزجاج، وكتاب صناعة الدر الثمين.
251
ومن النصوص التاريخية التي جاء فيها ما يشهد بتقدم مدينة حلب في صناعة الزجاج حكاية في باب فضل القناعة من كتاب «جلستان» لسعدي، الشاعر الإيراني، تحدث فيها عن تاجر ثرثار أخبره أنه يستعد لرحلة جديدة، فسأله سعدي: أين تكون تلك السفرة؟ وأجاب التاجر: «أريد أن أحمل الكبريت من إيران إلى الصين، فقد سمعت أن له قيمة عظيمة فيها، ومن هناك آخذ الخزف الصيني إلى بلاد الروم، ثم أحمل الديباج الرومي إلى الهند، والفولاذ الهندي إلى حلب، وآخذ الزجاج الحلبي إلى اليمن، والأقمشة اليمنية إلى إيران.»