230
ثم يذكر سليمان أن السفن التي كانت تصل إلى المواني الصينية كان يقابلها موظفون يخزنون حمولتها مدة ستة أشهر على ضمانتهم، وبعد انتهاء موسم التجارة والإبحار يخرجون البضائع، ويستولون على ثلثها للدولة ويسلم الباقي إلى التجار.
231
وأما الذيل الذي كتبه أبو زيد حسن، ففيه أحاديث طلية عن علاقة المسلمين بالصين؛ كحديث القرشي المسمى ابن وهب، الذي زار بلاط ملك الصين، ورأى فيه صور الرسل، وبينها صورة محمد - عليه السلام - راكبا جملا وأصحابه محدقون به؛
232
ولكن الذي يهمنا هنا أن أبا زيد يذكر أن السفن الصينية القادمة من سيراف كانت إذا وصلت جدة أقامت بها ونقل ما فيها من الأمتعة التي تحمل إلى مصر في مراكب خاصة كانت تسمى مراكب القلزم؛ لأن مراكب السيرافيين كانت لا تستطيع الملاحة في شمالي البحر الأحمر.
233
وهو يحدثنا فوق ذلك عن اللؤلؤ وتجارته مما يساعد على تصور اللآلئ التي امتلأت بها خزائن الفاطميين،
234
وفضلا عن ذلك فإننا نجد في المسعودي وأبي الفدا وابن بطوطة وغيرهم من مؤرخي المسلمين ورحالتهم أخبارا كثيرة عن العلاقات التجارية بين العرب والشرق الأوسط والأقصى.
235
كما أن الرحالة البندقي ماركو بولو
Marco Polo
أتى في وصف رحلته بكثير من البيانات عن هذا الموضوع. أما عن المدة المحصورة بين المؤرخين العرب في القرنين الثالث والرابع الهجريين (التاسع والعاشر بعد الميلاد)، وماركو بولو في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، فإن لدينا مصدرا صينيا هو
Chau Ju-Kua
الذي كان مفتشا للتجارة الخارجية في إقليم فوكين بالصين. وكتب في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي مؤلفا عنوانه
Chu-fan-chi
وصف الأمم الأجنبية، درس فيه التجارة الصينية العربية في القرن الثاني عشر الميلادي.
236
ومهما يكن من شيء فإن صناعة الخزف ازدهرت في عصر الفواطم، وأصبحت مصر تستورد من الشرق الأقصى كثيرا من الخزف الثمين؛ بل وصارت مركز تجارته بين الشرق والغرب، واتسعت هذه التجارة، ولا سيما منذ القرن الثاني عشر حين استخدم الصينيون البوصلة، وظلت مصر مركز هذه التجارة، حتى كشف فاسكو دي جاما طريق رأس الرجا الصالح سنة (1497م).
لا غرابة إذن إن كان الخزفيون الفاطميون تأثروا بمنتجات زملائهم في الشرق الأقصى، وإن كانت مدرسة سعد أنتجت نوعا من الخزف الصيني ذي الزخارف المحفورة تحت الدهان كانت تقلد بها خزف سونج
Song
الصيني. وفي دار الآثار العربية كمية كبيرة من الخزف الذي كان الصناع المصريون المختلفون - ولا سيما سعد وتلاميذه - يقلدون به خزف سونج؛ ولكن الخزف الذي أنتجه هؤلاء الصناع المصريون كان مزينا بالبريق المعدني الذي لم يكن معروفا في الشرق الأقصى.
ولعل هذا يثبت أن المصريين لم يقلدوا تقليدا أعمى؛ وإنما كانوا يعملون على اقتباس أشكال بعض الأواني الصينية، وبعض زخارفها، وعلى إنتاج آنية تضارع الخزف الصيني في جودته وبهائه؛ ولكن الظاهر أن تقليد الخزف الصيني تقليدا جيدا لم تتسع دائرته في مصر إلا في عصر المماليك.
تحدثنا حتى الآن عن الخزف ذي البريق المعدني، وهو أبرز أنواع الخزف في العصر الفاطمي. وطبيعي أن أنواعا أخرى قامت إلى جانبه، وكانت صناعتها امتدادا للتقاليد الموروثة عند الفخاريين على ضفاف النيل.
فالفخار غير المدهون كانت تصنع منه أبسط الأواني اللازمة لطبقات الشعب؛ ولا سيما القلل التي كانت من الفخار غير المطلي؛ إلا في النادر جدا؛ لأن المقصود منها تبريد الماء ولا بد من المسام للوصول إلى هذا الغرض؛ ومن ثم فإن الذي وصل إلينا منها يكاد يكون خاليا من أي دهان زجاجي، على أن شبابيك القلل كانت تزينها زخارف دقيقة هندسية أو حيوانية، وعلى بعضها عبارات دعاء وتبريك، وربما كان أقدم ما في دار الآثار العربية يرجع إلى العصر الطولوني؛ ولكن طراز الحيوانات وشكل الكتابة على بعض هذه الشبابيك يجعلنا نذهب إلى أن جزءا منها يرجع إلى عصر الفواطم؛