219
فضلا عن أن الطبري أشار إلى بعض طرف الصين حين ذكر فتح مدينة كش من أعمال سمرقند على يد خالد بن إبراهيم والي بلخ سنة (134ه/751م)، فقال: وفي هذه السنة غزا أبو داود خالد بن إبراهيم أهل كش، فقتل الإخريد ملكها، وهو سميع مطيع قدم عليه قبل ذلك بلخ، ثم تلقاه بكندك مما يلي كش، وأخذ أبو داود من الإخريد وأصحابه حين قتلهم من الأواني الصينية المنقوشة المذهبة التي لم ير مثلها ، ومن السروج الصينية، ومتاع الصين كله من الديباج وغيره، ومن طرف الصين شيئا كثيرا.
220
وقد أشار ابن خرداذبه في القرن الثالث الهجري (التاسع) إلى الغضار (الخزف) الجيد الصيني.
221
وهناك نصوص تاريخية أخرى تثبت إعجاب المسلمين بالخزف الصيني؛ ولكن لا يتسع المجال هنا لكتابتها أو الإشارة إليها بعد أن جمعها الأستاذ كاله
Dr. P. Kahle ، ودرسها في مقال له عن «المصادر الإسلامية لدراسة الخزف الصيني».
222
وقد كانت العلاقة التجارية بين الصين والعالم الإسلامي ودية ووثيقة، وهي ترجع إلى عهد أسرة طنج (618-906م) التي ساد على يدها الرخاء في الشرق الأقصى، والتي يقال: إن النبي أرسل إلى أحد ملوكها يدعوه إلى الإسلام، فاهتم هذا القيصر بالجماعة الإسلامية الناشئة، وأحسن وفادة مبعوثها، وساعده على إنشاء مسجد في كنتون، رغبة في أن ينشئ مع المسلمين علاقات تجارية،
223
وقد نجح في الوصول إلى هذا الغرض، وبدأ منذ هذا التاريخ تبادل تجاري بين الصين والعالم الإسلامي، أتيح له أن يكبر وينمو، ويكون ذا أثر بالغ في تطور الفن الإسلامي ولا سيما صناعة الخزف.
224
ويدل وجود الخزف الصيني في أطلال سامرا والفسطاط على تجارته الزاهرة بين الشرق الأقصى والبلاد الإسلامية، وقد ذكر ابن خرداذبه شيئا عن استيراد الخزف الصيني من الشرق الأقصى، وكانت تقوم بهذه التجارة سفن صينية وسفن عربية، كانت السفن الصينية تقبل إلى قرب مدينة البصرة التي كانت مركز توزيع الواردات الصينية على العالم الإسلامي،
225
وفضلا عن ذلك فقد أشار اليعقوبي إلى شارع في بغداد كان مركزا لبيع التحف الواردة من الصين.
226
وقد وصلنا وصف سياحة رحالة عربي اسمه سليمان في الهند والصين، كتب
Mez
سنة (237ه/851م)، ومعه ذيل كتبه نحو سنة (304ه/916م) مؤلف اسمه أبو زيد حسن. وفيه بيانات دقيقة عن علاقة المسلمين بالصين في القرنين الثالث والرابع بعد الهجرة (التاسع والعاشر).
227
وقد طبع لانجلس
Langlés
هذه الرحلة سنة (1811)، ثم نشرها رينو
Reinaud
مع ترجمة فرنسية سنة (1845).
ومما جاء في وصف هذه الرحلة العبارات الآتية: «وذكر سليمان التاجر أن بخانفو، وهو مجتمع التجار، رجلا مسلما يوليه صاحب الصين الحكم بين المسلمين الذين يقصدون إلى تلك الناحية يتوخى ملك الصين ذلك، وإذا كان في العيد صلى بالمسلمين وخطب، ودعا لسلطان المسلمين،
228
وأن التجار العراقيين لا ينكرون من ولايته شيئا من أحكامه وعمله بالحق، وبما في كتاب الله - عز وجل - وأحكام الإسلام. فأما المواضع التي يردونها ويرقون إليها فذكروا أن أكثر السفن الصينية تحمل من سيراف، وأن المتاع يحمل من البصرة وعمان وغيرها إلى سيراف، فيعبى في السفن الصينية بسيراف وذلك لكثرة الأمواج في هذا البحر وقلة الماء في مواضع منه. والمسافة بين البصرة وسيراف في الماء مائة وعشرون فرسخا، فإذا عبى المتاع بسيراف استعذبوا منها الماء وخطفوا - وهذه لفظة يستعملها أهل البحر يعني يقلعون - إلى موضع يقال له: مسقط وهو آخر عمل عمان، والمسافة من سيراف إليه نحو مائتي فرسخ.»
229
ويصف سليمان بعد ذلك المحطات المختلفة التي تقف فيها السفن في طريقها إلى الصين، ويبدأ الكلام عن «أخبار بلاد الهند والصين أيضا وملوكها». ويحدثنا «أن أهل الهند والصين مجمعون على أن ملوك الدنيا المعدودين أربعة»: فأول من يعدون من الأربعة ملك العرب، وهو عندهم إجماع لا اختلاف بينهم فيه أنه أعظم الملوك، وأكثرهم مالا وأبهاهم جمالا (كذا)، وأنه ملك الدين الكبير الذي ليس فوقه شيء، ويعد ملك الصين نفسه بعد ملك العرب!