تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

طراز سعد

وصلت إلينا قطع كثيرة عليها اسم سعد، وقطع أخرى يمكن الجزم بأنها من صناعة مدرسته، وقد شوهد أن بعض العناصر النباتية في زخارف هذه المدرسة تذكر بالعناصر الزخرفية النباتية على ألواح الخشب التي عثر عليها في مارستان قلاون، والتي يرجع تاريخها - كما ذكرنا - إلى القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي). وكذلك إذا جاز لنا أن نستأنس بشكل الحروف في إمضاء سعد، ظهر لنا بمقارنتها بكتابات شواهد القبور المؤرخة أن مدرسة هذا الفنان ازدهرت في نصف القرن السالف الذكر.

والمعروف أن الآنية التي صنعها سعد وأتباعه لا تكون كلها مغطاة بالطلاء إلا نادرا جدا، وإنما نرى ارتفاع سنتيمترين أو ثلاثة من أسفلها لا دهان عليه، إلا إذا كان الإناء قد ترك في الفرن مدة أطول مما يلزم، فسالت المينا إلى أسفل، وركزت منها نقط سميكة عند قاعدته. وإمضاء سعد نجده مكتوبا بالحروف الكوفية المشجرة على السطح الخارجي للإناء. والمينا التي يستخدمها سعد وتلاميذه؛ إما بيضاء اللون نقية وغنية بما فيها من قصدير، وإما زرقاء مائلة إلى الخضرة بما فيها من نحاس، وإما حمراء وردية بما فيها من منجانيز. وفضلا عن ذلك فإن سعدا كان يستخدم في بعض الحالات طلاء بسيطا من مادة زجاجية، شديد اللمعان، ويميل لونه إلى الخضرة أو لون العاج.

201

وعلى كل حال فإن البريق المعدني الذي نراه على قطع هذه المدرسة قد يكون ذهبي اللون، وقد يكون زيتونيا مائلا إلى الاصفرار.

والظاهر أن مدرسة سعد في الزخرفة بالبريق المعدني لم تقتصر على الخزف فقط بل تجاوزته إلى الزجاج؛ فدار الآثار العربية فيها قطع زجاج يذكر زخارفها بطراز سعد في زخرفة الخزف ذي البريق المعدني، وكذلك متحف بناكي به قطعة مزخرفة بالطريقة نفسها.

ومهما يكن من شيء فإن زخارف سعد ذات البريق المعدني متنوعة وغنية، وأكثر الموضوعات الزخرفية ورودا رسوم الحيوانات والطيور، تحيط بها الفروع النباتية والزهور والمراوج النخيلية (البالمت) والجديلات؛ كل ذلك بدقة وعناية فائقتين، هما اللتان أعلتا شأن سعد ومدرسته.

أما الرسوم الآدمية في منتجات سعد وأتباعه، ففيها أنوثة ورقة تذكر برسوم الأشخاص في صور رضا عباسي، وإن كانت هذه من طراز آخر.

202

وطبيعي أن يكون سعد قد أخذ أكثر موضوعاته الزخرفية عن الأساليب الفنية التي كانت معروفة في ذلك الوقت؛ فالأسماك والطيور المتقابلة، والأشجار التي يتدلى منها الثمر، والسلال المملوءة بالفاكهة، ورسوم الأرابسك والفروع النباتية، كل هذه نراها في الزخارف الإيرانية والبيزنطية والمصرية قبل ذلك العهد.

203

وفي دار الآثار العربية قطعة من خزف ذي بريق معدني (رقم السجل 1 / 5397) عليها رسم رأس السيد المسيح مرسومة بأسلوب بيزنطي ناطق، وحولها إكليل النور المعروف،

204

وينسب هذا الرسم إلى مدرسة سعد،

205

وإلى نفس المدرسة يمكننا أن ننسب قطعة أخرى (رقم 2 / 5396) عليها رسم ثلاثة أشخاص، كتب فوق أوسطهم اسم «أبو طالب»، ولعل المقصود عم النبي - عليه السلام - ولا سيما أن هناك كلمة اخرى يمكن قراءتها: «رسول.»

206

كما أننا نرى إمضاء سعد على إناء في مجموعة ديكران كليكان المعروضة الآن في متحف فكتوريا وألبرت بلندن. وقطر هذا الإناء 22 سنتيمترا، وقد وجد بالقرب من الأقصر، وهو من خزف فاطمي مدهون بطلاء أبيض وعليه باللون المعدني الأسمر البراق صورة رجل تتدلى من يده اليمنى مبخرة على شكل مشكاة،

207

على أننا لم نكن لنستطيع أن نحكم من أول نظرة أن هذا الإناء من صناعة سعد؛ وذلك لأن عليه مسحة بيزنطية، فلا تظهر خصائص الزخارف التي استخدمها هذا الفنان إلا في أرضية الإناء، وعلى رداء الرجل الذي يحمل المبخرة. وقد ذهب الدكتور لام

Dr. Lamm

إلى أن بين الزخارف التي تغطي أرضية الإناء علامة «عنخ» أي: علامة الحياة عند المصريين القدماء،

الكنوز الفاطمية · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكنوز الفاطميةص ٥١