192
والصور الآدمية التي نراها على بعض منتجات مسلم وأتباعه فيها قوة تعبير تشهد بتفوقهم في هذا الميدان.
193
وهناك بعض موضوعات زخرفية تشعر بتأثير فارس في رسوم هذه المدرسة، وهذا واضح في قطعة بدار الآثار العربية،
194
عليها إمضاء مسلم وفيها رسم طائرين متواجهين وبينهما رسم شجرة الحياة.
195
وقد لوحظ كذلك الشبه بين بعض رسوم الحيوانات على خزف مسلم ومدرسته، وبين رسوم الحيوانات على قطع الخشب الفاطمي التي وجدت في مارستان قلاون، والتي يرجع تاريخها إلى بداية القرن الخامس الهجري (الحادي عشر)، كما سنرى عند الكلام عن صناعة النقش في الخشب عند الفاطميين.
196
وقد وصلت إلينا قطع خزفية عديدة عليها اسم مسلم، وأكثر ما نرى هذا الاسم إنما على قاعدة الأواني، وبخط كوفي بسيط؛ ولكنا نراه أحيانا مكتوبا بطريقة زخرفية بالقرب من حافة الإناء.
وقد ذهب المرحوم علي بك بهجت والمسيو ماسول إلى أن مسلما لم يكتب اسمه على كل القطع التي أنتجها مصنعه، مكتفيا بعلامة (ماركة) كانت معروفة لكل من يهمهم الأمر، وأن هذه العلامة معروفة لنا، بفضل قطعة وجدت في الفسطاط وهي من القطع التي لم تصلح عند التسوية في الفرن؛ وعلى كل حال فإن عليها إمضاء سعد ومعها العلامة التي نحن بصددها، وهي تتكون من دائرتين متحدتي المركز، والدائرة الداخلية مملوءة بخطوط قصيرة ومتوازية، بينما المسافة التي بين الدائرتين عادية لا زخارف فيها، وهذه العلامة تشبه العلامات المستخدمة في خزف القرن الثالث الهجري (التاسع).
197
وأكبر الظن أن مصنع مسلم كان في مدينة الفسطاط نفسها، كما يظهر مع وجود القطعة التالفة في الفرن؛ لأن مثل هذه القطعة لا محل لاستيرادها من بلد آخر.
ومن المحتمل أيضا أن ورثته أو تلاميذه ظلوا يعملون باسمه، وينسجون على منواله؛ فإن هذا الفرض يفسر وجود قطع من طراز صنعته دون أن تكون لها الدقة التي نعرفها في القطع التي عليها اسمه، أو التي يمكننا أن نجزم بنسبتها إلى مدرسته ودار الآثار العربية غنية بالخزف ذي البريق المعدني؛ ولكن بعض القطع الكاملة وذات الشهرة العالمية من هذا النوع محفوظة في متاحف أوروبا أو مجموعاتها الخاصة.
ومن القطع التي قد يمكن نسبتها إلى مدرسة مسلم الصحن المحفوظ بدار الآثار العربية (رقم السجل 5502)، وعليه زخارف بالبريق المعدني ذي اللون الذهبي المائل إلى الخضرة، وتتكون من ديك رافع ذيله، ويتدلى من منقاره فرع نباتي على النحو الذي ترسم عليه الطيور أحيانا في الفن الساساني، وحول الدائرة المرسوم فيها هذا الديك دائرة أخرى فيها زخرفة نباتية مع تسع ورقات تقليدية مهذبة، رءوسها نحو حافة الإناء وتفصلها فروع نباتية بها نقط وخطوط صغيرة.
198
وفي الدار سلطانية (رقم السجل 12974)، أرضيتها أقل بياضا من أرضية الصحن السابق، وبريقها المعدني أميل إلى اللون الذهبي، وجسمها مفرطح على قاعدتها دون استدارة تذكر، وزخرفة قاعها مكونة من طائر في وسط فروع نباتية متقنة، ويتدلى من منقاره فرع نباتي آخر، أما زخرفة دائر السلطانية فمكونة من حروف كوفية مشجرة، بينها فروع نباتية ووريقات جميلة.
199
وفيها سلطانية أخرى أصغر حجما (رقم السجل 12975) وعليها زخرفة بالبريق المعدني ذي اللون الذهبي على شكل أرنب يتدلى من فمه فرع فيه زهرة.
200
والواقع أن الناظر إلى هذه الأواني الفاطمية من الخزف ذي البريق المعدني يمكنه أن يفهم ما بعث كثيرين من مؤرخي الفن الإسلامي على القول بأن هذه الأواني قصد بها الاستغناء عن الأواني الذهبية والفضية، كما أن في استطاعته أيضا أن يحكم بتفوق الصناع المصريين في ذلك العصر الزاهر، وبما كان لهم من سلامة الذوق ودقة الصنعة، وبقدرتهم الفائقة على هضم ما استعاروه من الأساليب الفنية عن الأمم التي كان لهم بها اتصال، والتي كانوا يعترفون بها بالأسبقية في أي ناحية من نواحي الفن والصناعة.