187
اللهم إلا قطعتين؛ الأولى: قاع باسم أمير أيوبي من حمص توفي سنة (638ه/1240م). والثانية: صحن مؤرخ في جمادى الثانية سنة (607ه/1210م)؛
188
وذلك على عكس تحف البرنز والمشكاوات المموهة بالمينا، فإن كثيرا منها بأسماء الخلفاء والأمراء والسلاطين.
وقد كانت هذه القطع الخزفية أجزاء من صحن كبير قطره 52، وارتفاعه 13 سنتيمترا، وقوام زخرفته مراوح نخيلية (بالمت)، تلتقي أطرافها في قاع الصحن، وتتصل بها فروع نباتية، ووريقات غاية في الجمال والإتقان، وتتبع الطراز الزخرفي الذي نقله الطوليون إلى مصر. أما حافة الصحن فكان عليها شريط دائر من كتابة كوفية بسيطة وجميلة بحروف ذهبية اللون على أرضية بيضاء، ونص الباقي منها:
حاكم بأمر ... وعلى آبائه.
ولا ريب في أن هذا الصحن بجمال زخرفته، ودقة صنعته، وروعة الحروف الكوفية فيه، كان حقا تحفة ملكية بديعة.
189
ولننتقل الآن إلى مدرستي سعد ومسلم، فقد كانا على رأس هذه الصناعة في عصرهما، واشتغل بإشرافهما وإرشادهما، كما نسج على منوالها عدد كبير من الخزفيين، فكان لكل منهما مدرسة في هذا الفن، لها ذاتيتها، ولها ميزات سنحاول استقصاءها مما وصل إلينا من القطع، دون أن نذهب إلى أن آراءنا تعتبر فصل القول في هذا الشأن.
على أننا إذا جاز لنا أن نستنبط شيئا من التناسق والانسجام والرقة والرشاقة التي نراها في طراز سعد، أكثر مما نراها في طراز مسلم، ومن الشبه الكبير الذي نجده بين منتجات مسلم وبين منتجات العصر الطولوني، ومن المسحة الأولية التي تسودها القوة والحرية في الخزف الذي صنعه مسلم، نقول: إذا جاز لنا أن نستنبط شيئا من هذا كله، فربما استطعنا - دون قرائن أو أدلة قوية - أن نرجح أن مسلما عاش في أوائل العصر الفاطمي، وأن سعدا عاش بعده بقليل، أو لعله أدرك حكم المستنصر الطويل؛ ولكن الواقع أننا لا نستطيع أن نجزم بقول في هذا الشأن، ولا سيما إذا لاحظنا أن اسمي هذين الفنانين ليسا مكتوبين على كل القطع التي خرجت من مصنعيهما؛ فإن هناك تحفا كثيرة ليس عليها اسم صانع ما، ولكنها تنطق بنوع بريقها الذهبي، وأسلوب زخرفتها، وطريقة صنعتها بأنها من صناعة سعد أو مسلم، أو من صناعة خزفيين تربطهم وأحد هذين الصانعين رابطة الأستاذ وتلميذه أو الناسج على منواله، ومن ثم فإن الأفضل أن يكون حديثنا عن طراز مسلم أو مدرسته، وعن طراز سعد أو مدرسته وليس عنهما بالذات، فأكبر الظن أنهما كانا علمين اهتدي بهما في هذه الصناعة، وكان لكل منهما في عصره السلطان الأعظم على أهلها.
طراز مسلم
نرى الأواني في هذا الطراز مدهونة كلها بالطلاء حتى تكاد تختفي طينتها، أما حرف قاعدتها فمنخفض جدا، وتكسوه المينا فتخفي عجينته.
والبريق المعدني الذي نجده في هذا الطراز ذو لون واحد في أغلب الأحيان، وهو اللون الذهبي الناشئ عن مزيج من الفضة والقصدير؛ على أننا نشاهد على بعض القطع بريقا أحمر نحاسي اللون.
وقد استخدم مسلم وتلاميذه الزخارف الحيوانية والآدمية والنباتية، فضلا عن الحروف الكوفية. والحيوانات في زخارف هذا الطراز يبدو عليها شيء من المسحة الأولية والقوة والحرية في الرسم، يذكرنا بالمنتجات الخزفية في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي).
على أن أفضل الزخارف التي كان يميل إليها أصحاب هذا الطراز إنما هي تلك التي تتكون من حيوان أو طائر، له الصدارة في الموضوع الزخرفي، وتحيط به أو تتفرع منه خطوط متداخلة ومتشابكة، وفروع نباتية تزين الأرضية، وتزيد الموضوع الزخرفي الأساسي رونقا وبهاء،
190
وقد وصل الخزفيون في هذه المدرسة إلى دقة عظيمة في رسم الحيوان فأسبغوا عليه ثوبا من الحياة وجعلوه صورة صادقة لطبيعته،
191
على الرغم من بعض الأساليب التقليدية المهذبة التي لم ينج منها الفنانون المسلمون في أغلب الأحيان،