تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

83

واللباس الخاص الجمعي،

84

وغيره هيئ بكرامة عظيمة، وندب له دابة من مراكيب الخليفة، لا تزال تحته حتى يعود إلى خدمته، وينزل في الغزالة على شاطئ الخليج ... ولو كان لصاحب الطراز في القاهرة عشرة دور لا يمكن من نزوله إلا بالغزالة، وتجري عليه الضيافة كالغرباء الواردين على الدولة، فيتمثل بين يدي الخليفة بعد حمل الأسفاط المشدودة على تلك الكساوي العظيمة،

85

ويعرض جميع ما معه وهو ينبه على شيء فشيء بيد فراشي الخاص في دار الخليفة مكان سكنه، ولهذا حرمة عظيمة؛

86

ولا سيما إذا وافق استعماله غرضهم.

فإذا انقضى عرض لك بالمدرج الذي يحضره، سلم لمستخدم الكسوات، وخلع عليه بين يدي الخليفة باطنا،

87

ويخلع على أحد كذلك سواه ثم ينكفئ إلى مكانه، وله في بعض الأوقات التي لا يتسع له الانفصال نائب يصل عنه بذلك غير غريب عنه، ولا يمكن أن يكون إلا ولدا أو أخا، فإن الرتبة عظيمة، والمطلق له من الجامكية

88

في الشهر سبعون دينارا، ولهذا النائب عشرون دينارا؛ لأنه يتولى عنه إذا وصل بنفسه، ويقوم إذا غاب في الاستعمال مقامه. ومن أدواته

89

أنه إذا عبى ذلك عن الأسفاط استدعى والي ذلك المكان، ليشاهده عند ذلك، ويكون الناس كلهم قياما لحلول نفس المظلة وما يليها من خاص الخليفة في مجلس دار الطراز وهو جالس في مرتبته، والوالي واقف على رأسه خدمة لذلك، وهذا من رسوم خدمته وميزتها.

90

وليس غريبا أن يعنى الخلفاء بصناعة النسج إلى هذا الحد؛ فقد كانت للبلاد تقاليد فنية قديمة في هذا الميدان، وكان الخلفاء في حاجة ماسة إلى كميات هائلة من المنسوجات لأنفسهم، ولرجال بلاطهم، وللكسوة الشريفة،

91

وللخلع التي كانوا يمنحونها أتباعهم، ورجال حكومتهم في كثير من المناسبات على نحو ما تفعله الحكومات في العصور الحديثة من منح الرتب والأوسمة. ولم نذهب بعيدا ومنح الخلع النفيسة لرجال الدين لا يزال قائما في بعض الدول الإسلامية حتى الآن؟

وقد تحدث ناصر خسرو في وصف رحلته عن مدينة تنيس، وأعجب بما كان ينسج فيها من قصب

92

ملون، تصنع منه العمائم والطواقي وملابس النساء، ولا ينسج في أي مكان آخر قصب يوازيه في الجودة والجمال، وذكر أيضا أن القصب الأبيض كان يصنع في دمياط، وأن الذي كان ينسج في طراز الخاصة أي: في مصانع السلطان كان لا يباع ولا يستطيع أحد الوصول إليه؛ حتى إنه ليروى أن أمير إقليم فارس في بلاد العجم أرسل عشرين ألف دينار إلى تنيس؛ ليشتري له بها حلة كاملة من النسيج السلطاني؛ ولكن رسله ظلوا في المدينة بضع سنين دون أن يوفقوا في المهمة التي ندبوا لها.

93

وأعجب ناصر خسرو كل الإعجاب بمهارة النساجين الذين كانوا يشتغلون في المصانع السلطانية،

94

وذكر أن واحدا منهم نسج قطعة من الديباج لتصنع منها عمامة السلطان، فمنح خمسمائة دينار. وكتب كذلك أن تنيس كان ينسج فيها دون غيرها من بلاد العالم قماش البوقلمون الذي يتغير لونه باختلاف ساعات النهار، ويصدره المصريون إلى بلاد الشرق والغرب.

ونحن نعرف أن مدينة تنيس كانت تقع على جزيرة في بحيرة المنزلة، ويمكن الوقوف على أهميتها في تاريخ الصناعات الإسلامية في العصور الوسطى من الحكاية التي كان الشعب يرددها والتي نقلها ناصر خسرو، وفيها يزعم القوم أن ملك الروم طلب إلى الخليفة أن يمنحه مدينة تنيس، على أن يأخذ بدلها مائة مدينة رومية؛ ولكن المصريين - الذين عرفوا بأن سواد الشعب فيهم يعتقد بأن مصر جنة الله في أرضه - كانوا يصرون على القول بأن الخليفة أبى قبول هذا الطلب!

وقد ذكر ناصر خسرو أن الجزيرة التي كانت تنيس مبنية فوقها، كانت تحيط بها سفن كثيرة أغلبها من سفن الحكومة، كما كانت فيها حامية عسكرية دائمة على قدم الاستعداد لصد غارات الروم أو الفرنج، ويروون أن الضرائب التي كانت تدخل يوميا خزانة السلطان من مدينة تنيس ألف دينار ذهب يجمعها شخص واحد، ويوصلها إلى خزينة السلطان، دون أن يرفض أحد دفع ما عليه من الضرائب، أو يجبي من أحد أكثر مما يستحق أن يفرض عليه. وقد لاحظ ناصر خسرو أن العمال الذين كانوا ينسجون القصب والبوقلمون في المصانع الحكومية كانوا يتقاضون أجورا طيبة، ولم يكن ديوان الخليفة يظلمهم، كما كان الحال في الأقاليم الإسلامية الأخرى.

الكنوز الفاطمية · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكنوز الفاطميةص ٣٥