68
ومن الكتب العربية في فن التجليد كتاب «صناعة تسفير الكتب وحل الذهب» للفقيه أبي العباس أحمد بن محمد السفياني، انتهى من تصنيفه عام (1029ه/1619م) في بلاد المغرب، وقد طبعه الأستاذ ريكار في فارس سنة (1919م) مصحوبا بتفسير الكلمات المصطلح عليها في صناعة التجليد. وليس هذا الكتاب خطير الشأن من ناحية تاريخ الفن؛ ولكن ما فيه من المصطلحات الصناعية والموضوعات المختلفة تجعله وثيقة ثمينة؛ ولا سيما في إحياء المترادفات العربية الصحيحة للمصطلحات الأوروبية في الفن والصناعة. (3) المنسوجات
كانت عناية الخلفاء الفاطميين عظيمة بصناعة النسيج. وفي الحق أن المصريين كانوا حاذقين فيها منذ العصور القديمة، وأنها تقدمت على يدهم في العصر القبطي، متأثرة في الوقت نفسه بالأساليب الزخرفية الساسانية والبيزنطية، وظل التقدم مضطردا في العصر الإسلامي؛
69
إذ بقيت الصناعة في يد أهل البلاد سواء اعتنقوا الإسلام أو ظلوا على دين المسيح.
70
وقد تحدثنا في كتاب الفن الإسلامي عن صناعة النسيج في مصر منذ فتحها العرب حتى نهاية العصر الطولوني، وتكلمنا عن احتكار الحكومة لها إلى حد كبير، وعن نظام الطراز: طراز الخاصة حيث كانت تصنع المنسوجات للخليفة والأقمشة التي كان يخلعها على كبار رجال الدولة وأفراد حاشيته، وطراز العامة: الذي كان يشتغل فضلا عن هذا بإنتاج المنسوجات اللازمة للشعب. أما المصانع الأهلية فكانت تسير جنبا إلى جنب مع الطراز الحكومي، وتثقلها الحكومة بضرائب فادحة ورقابة شديدة؛
71
كما يظهر مما كتبه المقدسي في هذا الشأن.
72
أما في العصر الفاطمي فقد بلغ نظام الطراز من الجودة والدقة درجة زادت كثيرا في كمية منتجاته وفي نفاسة نوعها، وقد كانت هناك أصناف من الأقمشة الغالية المشغولة بالحرير لا تنسج إلا للخليفة نفسه؛ ولكن أفراد الرعية كانوا يحصلون على قطع أخرى نفيسة جدا، فكانت الجلاليب والأقمصة والعمائم والأحزمة تصنع من أقمشة غالية، تزينها أشرطة مشغولة بالحرير، أخذ حجمها في الزيادة حتى صارت في القرن السادس الهجري (الثاني عشر) تغطي أكثر الأرضية الكتانية في الأقمشة.
وكثيرا ما أمر الخلفاء بصناعة منسوجات فاخرة لإهدائها إلى الأمراء والملوك الذين كانوا يخطبون ودهم أو تربطهم بهم علاقات الصداقة وحسن الجوار، وقد كان الخلفاء الفاطميون يعلمون حق العلم أن قياصرة بيزنطة والأمراء والحكام في أوروبا الجنوبية يعجبون بالمنسوجات المصرية إعجابا شديدا.
وقد روى المقريزي أن دار الوزير يعقوب بن كلس حولت بعد وفاته إلى مصنع حكومي للنسج وصارت تعرف باسم دار الديباج.
73
وكتب أيضا في كلامه عن منظرة الغزالة أنها كانت مسكنا للأمير أبي القاسم بن المستنصر، ثم أصبحت بعد ذلك مقرا لناظر الطراز وكانت ميزانيتها في وزارة الأفضل بن بدر الجمالي واحدا وثلاثين ألف دينار؛ منها خمسة عشر ألفا للقماش نفسه، وستة عشر ألفا للذهب الذي يستخدم في نسجه، وزادت هذه الميزانية في عصر الوزير المأمون فبلغت ثلاثة وأربعين ألفا وتضاعفت في الأيام التي كان الخليفة الآمر يحكم فيها بنفسه.
ونقل المقريزي عن ابن الطوير حديثا طويلا عن صاحب الطراز وحقوقه وواجباته ، وهذا نصه:
الخدمة في الطراز، وينعت بالطراز الشريف، ولا يتولاه إلا أعيان المستخدمين من أرباب العمائم والسيوف،
74
وله اختصاص بالخليفة دون كافة المستخدمين، ومقامة بدمياط وتنيس وغيرهما،
75
وجارية أمير الجواري،
76
وبين يديه من المندوبين مائة رجل لتنفيذ الاستعمالات بالقرى،
77
وله عشارى دتماس
78
مجرد معه،
79
وثلاثة مراكب من الدكاسات،
80
ولها رؤساء ونواتية لا يبرحون، ونفقاتهم جارية من مال الديوان، فإذا وصل بالاستعمالات الخاصة
81
التي منها المظلة،
82
وبدلتها، والبدنة،