وكانت أكثر ما تقوم صناعة النسج في الجهات التي يكثر فيها الأقباط،
95
وكان الكتان والقطن ينسجان في أنحاء عديدة من الديار المصرية ولا سيما في تنيس والإسكندرية وشطا
96
ودمياط ودبيق والفرما بالدلتا، واشتهرت أيضا بنسجهما مدينة البهنسا في مصر الوسطى وكذلك مدينة دميرة. أما الأقمشة المنسوجة بالحرير فكانت تصنع في الإسكندرية وفي دبيق. وكما كانت إخميم وأسيوط مشهورتين بصناعة النسج في العصر القبطي، فقد ظلتا كذلك في العصر الإسلامي، وكانتا تصدران إلى بيزنطة وإلى روما والجمهوريات التجارية في إيطاليا كثيرا من الأقمشة النفيسة التي كان يوهب جزء كبير منها إلى الكنائس والأديرة، فيستخدم في عمل بعض الملابس أو تحفظ فيه بعض التحف التذكارية، وإلى هذا يرجع الفضل في بقاء بعض التحف المشهورة في أوروبا.
وعلى كل حال فقد اشتهرت بعض بلدان الصعيد، ولا سيما أسيوط، بنسج الكتان حتى لقد أعجب ناصر خسرو بما كان ينسج منه في تلك المدينة، وقال: إن الإنسان يظنه من الحرير.
97
على أننا لا نعرف تماما هل اشتغلت المصانع المصرية في العصر الفاطمي بنسج الحرير الصافي، أو أن ذلك لم يكن قبل عصر المماليك.
98
وكانت أسماء الخلفاء تنسج في الأقمشة الثمينة بلحمة من الذهب أو الفضة أو الخطوط المتعددة الألوان تمجيدا لهم، وإشارة بذكرهم، ودليلا على أنها صنعت في عصرهم، ووثيقة لمن خلعت عليه، تدل بنوعها على درجته ووظيفته، وتشير إلى رضاء الأمير عنه.
99
وقد تكون العبارة المنسوجة في الطراز طويلة كالتي نراها في قطعة من الشاش بمتحف فكتوريا وألبرت ونصها:
بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي ولي الله صلى الله عليه ... المستنصر بالله أمير المؤمنين - صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه المنتظرين.
100
ونجد مثل هذه الكتابة على كثير من قطع النسيج الفاطمية في دور الآثار والمجموعات الأثرية المختلفة،
101
كما قد يكون الطراز قاصرا على عبارات تبريك نحو: «العز الدائم والصبر والدولة لصاحبه.»
102
وعلى كل حال فإن كتابة اسم الخليفة أو الأمير في الطراز شارة من شارات الملك أو الإمارة كنقش اسمه على السكة والدعاء له في الخطبة، ولكن الخليفة كان يأذن بكتابة اسم وزيره على الطراز
103
تكريما له أو خشية منه وتسليما بحقيقة واقعة هي استيلاء الوزير على السلطان الفعلي في البلاد، فالعزيز بالله وضع في الطراز اسم وزيره يعقوب بن كلس، وكذلك يظهر من قطعة نسيج محفوظة في مكتبة الفاتيكان أن الوزير الأفضل حصل من الخليفة المستعلي بالله على مثل هذا الحق، كما يتجلى ذلك أيضا من «ملاءة سانت آن» في مدينة آبت
Apt
التي سيأتي الكلام عنها.
ومع ذلك فقد حدث أن بعض الأمراء كانت له مصانع نسيج أخرجت أقمشة عليها اسمه: ففي متحف فكتوريا وألبرت بلندن قطعة من الحرير الأصفر القائم من طراز العراق في منتصف القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، وفيها شريطان من الكتابة نصهما واحد وهو: السيد الأجل نصر الدولة أبو نصر أطال الله بقاءه.
104
وهناك بعض قطع فاطمية من هذا النوع، وردت في سجل الكتابات التاريخية العربية
Répertoire Chronolgique d’Epigraphie Arabe .
ومن العبارات التي تراها مكتوبة على الأقمشة الفاطمية: «الملك لله» و«نصر من الله» و«العز من الله» و«بسم الله الرحمن الرحيم الملك الحق» و«ما شاء الله كان» و«العز الدائم».
105
ومما يدل على أهمية مصانع النسج في مصر ودخل الحكومة منها ما ذكره المقريزي من أن الضرائب التي جمعت في يوم واحد من تنيس والأشمونين ودمياط في عهد الوزير يعقوب بن كلس بلغت مائتي ألف دينار. ويعلق المقريزي على هذه الرواية بقوله: «وهذا شيء لم يسمع قط بمثله في بلد.»
106
على أننا في الواقع لا نستطيع أن نعرف تماما كيف كانت ملكية هذه المصانع، ولا سيما ما يعرف منها باسم طراز العامة، ولا غرو فإننا نعرف عن «الطراز»