تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

58 (2) التجليد

لم يصل إلينا، لسوء الحظ، عدد من جلود الكتب، يكفي لأن ندرس في شيء من الدقة والتفصيل نشأة صناعة التجليد عند المسلمين؛ فجلود الكتب الإسلامية المحفوظة في المتاحف والمجموعات الأثرية، جلها يرجع إلى عصر المماليك في مصر، أو إلى قبل هذا العصر بقليل في بعض البلاد الإسلامية الأخرى.

59

وقد وصف الأستاذ جروهمان في الكتاب الإسلامي

The Islamic Book

الذي ألفه مع السير توماس أرنولد

Sir Tomas Arnold

بعض قطع من جلود كتب محفوظة بالمكتبة الأهلية في مدينة فينا، وأتى بصورها مع رسوم جديدة لما يظن أنها كانت عليه في حالتها الأولى.

وبعض هذه الجلود يمثل الصناعة القبطية في أوائل العصر العربي، وبعضها يرجع إلى القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، ويمكننا أن نرى فيه ما كان لصناعة التجليد القبطية من تأثير بالغ في نشأة هذه الصناعة عند المسلمين.

60

والواقع أن المسلمين عامة مدينون للمسيحيين بمعرفة المصحف (أي: ما جمع من الصحف بين دفتي كتاب مشدود)، كما قال الجاحظ نفسه.

61

فلا ريب أن النصارى في الشام والجزيرة وبلاد العرب الجنوبية، كان لديهم من الكتب الدينية المجلدة ما أتيح لبعض العرب رؤيته، والإعجاب بالجلود التي كانت تحفظ ما فيها حق الحفظ، ومن الطبيعي أن يفكر المسلمون في اتباع الطريقة نفسها، وفي جمع صحف القرآن بين لوحين لحفظها، ثم في استخدام الغلف من الخشب قبل أن يتاح لهم تعلم صناعة الجلود عن القبط وإتقانها؛ لتأخذ عنهم مدينة البندقية بعد ذلك كثيرا من أساليبها، وتنشرها في سائر أنحاء القارة الأوروبية.

62

ولكن بعض الجلود التي كتب عنها الأستاذ جروهمان ترجع إلى العصر الفاطمي، وأهمها واحدة يستنبط من طراز الكتابة في الورق المقوى (الدشت)، الذي لصقت فوقه الجلدة أنها من القرن الرابع الهجري (العاشر والحادي عشر الميلادي)، وهي خطيرة الشأن؛ لأن تأثير الصناعة القبطية ظاهر فيها، كما أن فيها أيضا الأساليب الفنية في صناعة التجليد الإسلامية كما نراها في العصور المتأخرة، فلا يزال باقيا بها قطعة من «اللسان» الذي يطوى لحماية الأطراف الأمامية من الكتاب، وأكبر الظن أن اللسان كان في هذه الجلدة مثلث الشكل، والجلدة نفسها من جلد عجل مدبوغ قاتم اللون، سمكها نحو مليمتر واحد، وذات حجم متوسط، وأما زخرفتها فمحفورة ومضغوطة، وقوامها إطار مملوء بورق شجر مرسوم رسما تقليديا مهذبا،

63

وأحيط هذا الإطار بمستطيل، فيه رسم شريط مجدول، به نقطة في كل مسافة من المسافات الصغيرة التي يكونها الشريط في سيره.

64

وهناك قطع أخرى ليست في حالة جيدة من الحفظ تسمح بدارستها، أو فهم شيء يذكر من صورها. وحسبنا هنا أن نلفت النظر إلى ما فيها من زخارف مجدولة، ومن وريقات شجر مهذبة تقليدية، تتخذ أحيانا شكل القلب، وفي بطانة جلدة منها نرى آثار رسوم هندسية ونباتية، ورسم طائر صغير ووريدات جميلة.

65

وعلى كل حال فإنه من الصعب التمييز بين جلود العصر الفاطمي، والجلود التي صنعت في القرن الذي سبق قدوم الفواطم إلى مصر؛ فإن التطور كان بطيئا، وقد استقرت أساليب الصناعة في العصر الفاطمي، وازدهر هذا الفن طبقا لناموس العرض والطلب.

66

ويجدر بنا في هذه المناسبة أن نشير إلى جلود الكتب التي كشفت منذ بضع سنين في تونس، ويرجع تاريخها إلى عصر بني الأغلب، وتشبه في زخارفها جلود الكتب القبطية. وقد ألقى الأستاذ جرج مارسيه بحثا عن هذه الجلود التونسية في مؤتمر اللغة والآداب والفنون العربية الذي عقد بتونس في ديسمبر سنة (1931)، والمنتظر أن يصدر عنها بحثا مفصلا بالاشتراك مع المسيو بوانسو

M. L. Poinssot

مدير الآثار والفنون في تونس.

67

وكشف الأستاذ ريكار

M. Prosper Ricard

في مكتبة مدرسة أبي يوسف بمراكش نوعا من جلود الكتب الإسلامية، التي يرجع تاريخها إلى منتصف السابع الهجري (القرن الثالث عشر الميلادي)، وفي زخارفها بعض العناصر التي رأيناها في الجلود التي صنعت في العصر الطولوني وعصر الأخشيديين والفاطميين.

الكنوز الفاطمية · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكنوز الفاطميةص ٣٣