تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

31

وهذه النقوش الجصية تدل في مجموعها على تأثر بأساليب النقش في إيران والعراق.

أما صناعة النحت عند الفاطميين، فالنماذج المعروفة منها ليست كثيرة العدد، وأهمها في دار الآثار العربية كتلة من الرخام (رقم السجل 2951)، عليها رسم سبع، نقش نقشا كبير البروز، ويخيل للرائي أن هذا السبع يزحف ببطء، وتدل دقة الرسم، وبيان العضلات، وصلابة الظهر على أنه من صناعة العصر الفاطمي،

32

فهو الفترة التي بلغ فيها الفنانون المصريون أقصى ما وصلوا إليه في دقة رسم الإنسان والحيوان والطيور.

وفي دار الآثار كذلك لوح من رخام (رقم السجل 6950) عليه زخارف نباتية، بها رسوم حمام وأسماك، وبقايا شريطين من الكتابة الكوفية،

33

وربما كان صانعوها متأثرين بتقاليد فنية مسيحية، إذا تذكرنا ما للحمام والسمك في الزخارف المسيحية من معان رمزية خاصة.

34

ومن مقتنيات الدار أيضا حمالة زير من رخام على شكل سلحفاة (رقم السج 97)، وفي مقدمتها كتابة كوفية، ومنقوش على أحد جانبيها رسم سبعين، لهما جناحان، وكل منهما يولي ظهره الآخر، ودقة رسم هذين الحيوانين، وطراز الكتابة الكوفية يدلان على أن هذه التحفة الأثرية ترجع إلى العصر الفاطمي.

35

وقد عثر في أطلال مدينة المهدية - العاصمة الفاطمية في شمالي أفريقيا - على لوح من المرمر، عليه نقش بارز يمثل رسم أمير في يده كأس وأمامه فتاة تعزف على مزمار،

36

ولا يفوتنا أن نلاحظ أن ملابس الأمير والعازفة وجلستهما، وشكل التاج الذي يلبسه، كل ذلك يدل على التأثر بالأساليب الفنية التي كانت سائدة في بلاد الجزيرة، والتي ورثتها هذه البلاد عن الأساليب الفنية الإيرانية.

37

والواقع أن تونس فيها أنموذج آخر من صناعة النقش في العصر الفاطمي؛ فإن المسجد الجامع بالقيروان لا تزال فيه بقايا سقف، عليه نقوش ترجع إلى عهد المعز أحد أمراء بن زيري

38

في إفريقية، وهي موجودة فوق عوارض خشبية خارجة من إفريز تسنده كوابيل خشبية أيضا.

وقد حلل الأستاذ جورج مارسيه

Georges Marçais

هذه النقوش في كتابه عن الفن الإسلامي،

39

وفي كتاب صغير أصدرته إدارة الآثار في تونس.

40

ومهما يكن من شيء فإن الزخارف المنقوشة على هذه الأخشاب تتألف من فروع نباتية، منفصلة أو متصلة، ومن أشكال هندسية تذكر كلها بالموضوعات الزخرفية الموجودة في الفسيفساء التي تزين قبة الصخرة، وكذلك بالزخارف التي نراها في ضرب من الخزف المصري، محفورة حفرا غير عميق تحت طبقة من الطلاء الملون.

وكذلك كتب الأستاذ جروهمان عن بعض قطع من الأوراق عثر عليها في الأشمونين، ومحفوظة الآن في المكتبة الأهلية بفينا؛ وعليها رسوم ونقوش، ولكن الذي يرجع إلى العصر الفاطمي من هذه الأوراق عدد قليل جدا؛ فإن أكثرها يرجع إلى القرنين الثالث والرابع الهجريين (التاسع والعاشر الميلاديين)، وقد تحدثنا عن جزء منها في كتابنا عن الفن الإسلامي في مصر.

41

ومن القطع التي قد تكون من العصر الفاطمي واحدة عليها رسم عصفورين، وأخرى عليها رسم سبع، وثالثة عليه زخارف نباتية وهندسية.

42

كما أن مجموعة المسيو رالف هراري فيها ورقة عليها صورة إنسان في يده كأس وبجانبه بعض أواني النبيذ، وليس بعيدا أن تكون هذه الصورة من العصر الفاطمي.

43

ومما يؤسف له أننا لا نعرف شيئا عن المخطوطات الفاطمية المزينة بالرسوم والصور، والتي لا ريب في أن زخارفها كانت على جانب كبير جدا من الدقة والجمال والإبداع، ذلك إذا حكمنا بما نعرفه من الزخارف في الخزف والنسيج الفاطمي، ومن الكتابات الكوفية ذات الحروف المزينة بالزهور والنباتات، كما في جامع الحاكم؛ وإن كنا نعرف أن الزخارف على المواد التي يسهل العمل بها؛ كالجبس والخزف أسرع في التطور منها على سائر المواد.

ولعل المخطوطات الفاطمية التي سلمت من الشدة العظمى، أو التي جمعها الوزراء والخلفاء في أواخر العصر الفاطمي، ذهبت ضحية قيام الدولة الأيوبية وترك المذهب الشيعي.

الكنوز الفاطمية · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكنوز الفاطميةص ٣٠