44
وعلى كل حال فإن المتحف البريطاني فيه قرآن خطي
Add 11735
يشتمل على زخارف غاية في الجمال، وأكبر الظن أنه يرجع إلى العصر الفاطمي؛ وإن كانت الآراء تختلف في تحديد تاريخه، ولا تتفق في أنه من صدر العصر الفاطمي أو من آخره، على أن الأستاذ فلوري
S. Flury
استنبط من الأشرطة المزخرفة فيه، ومن الوردات الموجودة في هوامشه أنه صنع في القرن العاشر الميلادي؛ لأن العناصر الزخرفية فيه تشبه العناصر الزخرفية في الجامع الأزهر.
45
وقد ذكر فلوري في هذه المناسبة أننا يمكننا أن نتصور النقوش الإسلامية في مخطوطات القرن الحادي عشر الميلادي، بما نعرفه من النقوش في المخطوطات اليهودية التي ترجع إلى هذا العهد، ولا غرو فإن الشبه عظيم جدا بين النقوش والزخارف فيها، وبين الزخارف التي نراها على سائر التحف الإسلامية في نفس العصر.
46
ودرس فلوري مخطوطا يونانيا في المتحف البريطاني، وأشار إلى الزخارف الإسلامية الموجودة فيه، والتي يرجع تاريخها إلى النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي، ومن صور هذا المخطوط واحدة تمثل تتويج سيدنا داود؛ وفيها لوحة مذهبة بيضية الشكل لها إطار من فروع نباتية عربية، وفي وسطها كتابة كوفية غير مقروءة؛ مما يدل على أن المصور كان يعرف شيئا من التحف الإسلامية، ويعجب بها إعجابا يحمله على تقليدها.
47
ومهما يكن من شيء فإن الأشخاص الموجودين في صور هذا المخطوط على سحنتهم مسحة غير إسلامية؛ ولكن فيه رسوما ونقوشا نباتية وهندسية أخرى تشبه كل الشبهه الموضوعات الزخرفية التي نراها في التحف الخشبية وفي المنسوجات الفاطمية، وفي بعض صناديق العاج الصغيرة المصنوعة في صقلية أو في مصر إبان العصر الفاطمي، وربما أمكن تفسير وجود هذين الطرازين من النقوش (البيزنطي والإسلامي) في المخطوط بأن مصورا بيزنطيا قد اشتغل في تذهيبه وزخرفته، كما اشتغل فيها مصور آخر له دراية بأساليب الفنون الإسلامية حينئذ، ولا سيما أن الفرق بين الصور ليس ملحوظا في طراز النقوش فحسب، بل في إبداعها ودرجة إتقانها على العموم، وإذا لاحظنا أن المخطوط متعلق بالفلك، وأن المسلمين كانت لهم شهرة ذائعة في هذا الميدان أمكننا القول بأن الصور الإسلامية الطراز منقولة عن مخطوط عربي في الفلك.
48
وعلى كل حال فقد كانت القاهرة في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر) مركزا رئيسيا للصناعات الفنية المختلفة؛ ومن المحتمل أنها كانت تصدر إلى سائر أنحاء الشرق الأدنى كثيرا من المخطوطات المذهبة والمصورة، تضاهي في الجمال تحفة وصلت إلينا، وهي إنجيل من القاهرة تاريخه سنة (1010م) وغني بزخارفه وألوانه الزرقاء والحمراء والذهبية.
49
وقد حصلت دار الآثار العربية على تحفة كشفها الأستاذ فييت عند أحد تجار العاديات في القاهرة، وهي ورقة عليها رسم رجلين في إطار من زخرفة مجدولة وفوقهما شريط من كتابة بالخط الكوفي ذي الزخارف النباتية نصها: «عز وإقبال للقائد أبي منص.»
وبين الفارسين زخرفة نباتية فاطمية الطراز، فيها أوراق شجر مزهرة، ورسم أربعة طيور جميلة، والفارس الأيمن في يده رمح وعلى رأسه عمامة في طرفها شريط عليه كلمة «بركة»، وله ذؤابتان وشارب يتدلى، والفارس الأيسر في منطقته سيف عليه عبارة «عز وإقبال» وفي يده رمح، وعلى رأسه غطاء رأس غريب الشكل، كما تتدلى من وسطه أشرطة من الجلد أو النسيج تنتهي بحلي هلالية الشكل، وكلا الفارسين تحيط برأسه هالة.
50
وقد ألقى الأستاذ فييت في المجمع العلمي المصري بحثا عن هذا الرسم في أبريل سنة (1937)، وتفضل فسمح لنا بأن نجعله بين لوحات هذا الكتاب.
51
ولن يفوتنا أن نتحدث هنا عن الأثر الذي كان للفنون التصويرية الفاطمية في تطور الفن بجزيرة صقلية، بعد أن أشرنا إلى ذلك في أول هذا الكتاب.