14
وذكر المقريزي أن دار النعمان بالقرافة كان فيها صورة سيدنا يوسف في الجب، وهي من عمل المصور الكتامي، وتمثل يوسف عاريا، ولون الجب أسود يخيل معه الناظر أن جسم يوسف باب مفتوح فيه.
15
وقد مر بنا ذكر الخيمة التي صنعت لليازوري، والتي كانت زخرفتها تمثل صور جميع الحيوانات المعروفة، على أن تزيين الخيام بالصور المختلفة - إما نسجا في قماشها أو نقشا عليه - لم يكن مما أحدثه الفنانون في العصر الفاطمي، فقد وصلتنا قصيدة للمتنبي قالها يمدح سيف الدولة عند رجوعه منصورا إلى أنطاكية بعد حروبه في أملاك الدولة البيزنطية، واستيلائه على حصن برزويه، الذي كان يضرب المثل بمناعته. وفي هذه القصيدة أبيات يصف فيها المتنبي فسطاطا كبيرا أقيم لسيف الدولة، وكان يزينه رسم قيصر الروم أسيرا في يدي سيف الدولة، وحوله كثيرون من الأمراء الروم المهزومين، وكانت حول هذا الرسم صور أخرى لحدائق وحيوانات وطيور. قال المتنبي:
16
عليها رياض لم تحكها سحابة
وأغصان دوح لم تغن حمائمه
17
وفوق حواشي كل ثوب موجه
من الدر سمط لم يثقبه ناظمه
18
ترى حيوان البر مصطلحا به
يحارب ضد ضده ويسالمه
19
إذا ضربته الريح ماج كأنه
تجول مذاكيه وتدأى ضراغمه
20
وفي صورة الرومي ذي التاج ذلة
لأبلخ لا تيجان إلا عمائمه
21
تقبل أفواه الملوك بساطه
ويكبر عنها كمه وبراجمه
22
قياما لمن يشفي من الداء كيه
ومن بين أذني كل قوم مواسمه
23
قبائعها تحت المرافق هيبة
وأنفذ مما في الجفون عزائمه
24
كما أن بعض كتب التاريخ تروي حكاية ظريفة عن الخليفة الفاطمي العزيز بالله. فالمعروف أنه استوزر عيسى بن نسطورس، واستعمل على الشام منشا اليهودي، ويقال: إن عيسى ومنشا اشتهرا بمحاباة اليهود والنصارى، وتعيينهم في مناصب الدولة، وإقصاء المسلمين عنها، فتذمر الأخيرون واحتجوا على تلك المحاباة. ويذكر أبو الفدا (2 / 138) في هذه المناسبة أن «أهل مصر عمدوا إلى قراطيس، فعلوهما على صورة امرأة ومعها قصة، وجعلوها في طريق العزيز، فأخذها العزيز، وفيها مكتوب: «بالذي أعز اليهود بمنشا، والنصارى بعيسى بن نسطورس، وأذل المسلمين بك، ألا كشفت عنا»؛ ولكن غيره من المؤرخين يذكرون أن هذه المظلمة كانت تحملها امرأة رغبها الشاكون بالمال لتعترض الخليفة. ويذكر ابن إياس أن بعض الناس عمد إلى مبخرة من حديد وألبسها ثياب النساء، وزينها بإزار وشعرية، وجعل في يدها قصة على جريدة، وكتب فيها «بالذي أعز النصارى ... إلخ.»
25
ويروي المقريزي أن الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله بنى في بركة الحبش منظرة من خشب مدهون، وصور لها فيها شعراؤه، ثم طلب من كل واحد منهم قطعة من الشعر في المدح، كتبت بجوار صورته، وجعل إلى جانب كل صورة رف لطيف مذهب، فلما دخل الآمر وقرأ الأشعار، طلب أن توضع على كل رف صرة مختومة فيها خمسون دينارا، وأن يدخل كل شاعر فيأخذ صرته بيده. ففعلوا ذلك .
26
بيد أن النماذج التي وصلت إلينا من صناعات النقش والتصوير والحفر نادرة جدا، ولعل أهمها الآن النقوش المرسومة على الجص، والتي وجدت على جدران الحمام الفاطمي،
27
الذي عثرت عليه دار الآثار العربية سنة (1932) في الحفائر التي تقوم بها للتنقيب عن الآثار بجوار أبي السعود في جنوبي القاهرة،
28
وقد نقلت بقايا هذه الصور إلى دار الآثار العربية، حيث عرضت في القاعة الفاطمية، وهي ملونة بالأحمر والأسود، ولا يزال يزي في إحداها رسم إنسان تحيط برأسه هالة،
29
وعليه عمامة جميلة، وفي يده اليمنى كأس يحمله على النحو الذي نراه كثيرا على نقوش الخزف والأواني الفارسية الساسانية من فضة ونحاس،
30
وفي إحدى الصور الأخرى رسم طائرين متقابلين، تعلوهما فروع نباتية حمراء، وحولها شريط أسود به نقط بيضاء، وفي صورة ثالثة رأس شاب يلتفت إلى اليسار، وفي صورة رابعة أثر رسم سيدة تتدلى عصابة رأسها إلى الجهة اليمنى،