تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8

وهكذا نرى أن المسلمين عرفوا فن تصوير الأحياء، وكانت عصور ازدهر فيها ذلك الفن، وأعظم ما وصل إلينا من بقايا الصور في صدر الإسلام ما نجده على سقف قصير عمرا وجدرانه، ثم ما عثر عليه الألمان في سامرا.

9

وأما في العصر الفاطمي فلا شك في أن صناعة التصوير أينعت، وكانت لها ثمرات طيبة؛ إذ إننا إذا استثنينا الحاكم بأمر الله، فقد كان خلفاء الفواطم شديدي التسامح الديني، ويدل ما يرويه المؤرخون، ولا سيما المقريزي، على أنهم كانوا يشجعون المصورين ويشملونهم برعايتهم، وكان الوزراء وكبار رجال الدولة يحذون حذو الخلفاء، وطبيعي أيضا أن يقفو أثرهم الأغنياء وأعيان التجار.

وقد أشار المقريزي

10

إلى كتاب في طبقات المصورين؛

11

ولكن هذا الكتاب فقد، ولم يصل إلينا منه شيء مقتبس في كتابات مؤلفين آخرين، اللهم إلا ما رواه المقريزي في هذه المناسبة، وليست هذه الحقيقة المرة مما يشعر بأن المؤرخين والعلماء في عصر المماليك وفي العصور التي تلته كانوا يعنون بالمصورين ورجال الفنون قسطا من عنايتهم بالمحدثين، والأئمة، والشعراء، والأدباء، والفلاسفة، والأطباء والخطاطين. وقد كتب المقريزي عن كتاب طبقات المصورين فقال: إنه كان يسمى «ضوء النبراس وأنس الجلاس في أخبار المزوقين من الناس»، وذلك في الحديث الذي رواه عن المنافسة بين المصورين ابن عزيز وقصير.

وقد دعاه إلى ذكر هذا الحديث وصفه لصور ونقوش ملونة كانت في جامع القرافة الذي بنته على نسق الجامع الأزهر السيدة زوجة الخليفة المعز، على يد الحسن بن عبد العزيز الفارسي المحتسب.

12

وكانت فيه نقوش سماوية اللون وحمراء وخضراء، ورسوم ذات ألوان أخرى، وكانت السقوف مزوقة كلها وكذلك الحنايا وباطن العقود وظاهرها، كل ذلك على يد نقاشين أصلهم من البصرة، ومعهم بنو المعلم النقاشون المصريون، الذين تلقى عنهم هذه الصناعة فنانان آخران، هما الكتامي والنزوك، وكان أمام الباب السابع قنطرة قوس منقوش، في باطن عقدها رسم شادروان (سبيل) مدرج، عليه نقوش ورسوم سوداء وبيضاء وحمراء وخضراء وزرقاء وصفراء، إذا تطلع إليها من وقف في سهم قوسها، رافعا رأسه إليها، ظن أن المدرج المزوق كأنه خشب كالمقرنص، وإذا أتى إلى أحد قطري القوس عند تمام نصف الدائرة، ووقف عند أول القوس منها، ورفع رأسه رأى أن النقوش مسطحة لا نتوء فيها، وإنما إتقانها وإبداعها هما اللذان يسببان هذا الوهم، وكان مثل هذا العمل من آيات الفن عند النقاشين حينئذ. أما الذين صنعوا نقوش هذا العقد فهم بنو المعلم، وكان سائر النقاشين يأتون إليها، ويحاولون عبثا أن يصنعوا مثلها.

13

ومهما يكن من شيء فإن الكلام عن النقوش في جامع القرافة ساق المقريزي إلى ذكر ما حدث لقصير وابن عزيز في أيام اليازوري، وكان هذا الوزير الجليل يعمل على إذكاء نار المنافسة بينهما، ويحرض كل منهما على الآخر، فقد كان قصير مصريا له كفاية وغناء عظيمان في صناعتي النقش والتصوير؛ ولكن أصابه العجب والغرور، وأخذ يشتط في أجرته، فأراد اليازوري أن يخفف من غلوائه، وأرسل فاستدعى ابن عزيز من العراق؛ ليكون منافسا خطيرا له. وفي الحق أنه لم يكن يقل عنه حذقا ومهارة، حتى شبههما المقريزي بابن مقلة وابن البواب في صناعة الخط، وحدث أن جمعهما اليازوري يوما في مجلسه، وقال ابن عزيز: «أنا أصور صورة إذا رآها الناظر ظن أنها خارجة من الحائط.» فقال قصير: «لكن أنا أصورها فإذا نظرها الناظر ظن أنها داخلة في الحائط.» فقال الحاضرون: هذا أعجب. وأمر اليازوري المصورين أن يصنعا ما وعدا به. فرسما الصورتين في حنيتين متقابلتين، وكان رسم قصير راقصة بثياب بيض، فوق أرضية الحنية التي دهنها باللون الأسود؛ فظهرت الراقصة كأنها داخلة في الحنية، بينما كان رسم ابن عزيز راقصة بثياب حمر، فوق أرضية الحنية التي دهنها باللون الأصفر، فظهرت الراقصة كأنها بارزة من الحنية، فاستحسن اليازوري ذلك وخلع عليهما كثيرا من الذهب.

الكنوز الفاطمية · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكنوز الفاطميةص ٢٨