تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويذكر المقريزي - نقلا عن كتاب الذخائر والتحف - أن خزائن القصر كان فيها شيء كثير من البلور والتحف الفنية الزجاجية المحكمة الصنع والمموهة بالذهب وغير المموهة،

57

ومن الصيني والأواني المصنوعة من خشب الخلنج.

58

كما كانت خزائن الفرش والبسط والستور والتعاليق غنية بمحتوياتها النفيسة. وقد قال أحد المستخدمين في بيت المال: إن صندوقا من الصناديق التي نهبت من القصر ذات يوم كان مملوءا بأباريق من البلور النفيس، بعضها منقوش بزخارف ورسومات جميلة، وبعضها غير منقوش. والظاهر أنها كانت لشراب الفقاع وهو نوع من البيرة كان منتشرا في القاهرة في العصور الوسطى، وقد أشار إليه ناصر خسرو في كتابه «سفرنامه» عند الكلام على خلافة الحاكم،

59

فقال: إنه لم يكن مباحا لأي شخص أن يجفف زبيبا، وذلك خشية أن يستخدم في صنع الخمر، ولم يكن يجرؤ أحد على شرب الخمر أو الفقاع؛ لأن هذا الشراب الأخير كان يعتبر مسكرا وكان محرما لهذا السبب.

ويحدثنا المقريزي أن أحد الذين يوثق بهم نقل أن قدحا من البلور النفيس الذي لا زخارف عليه بيع أمامه بمائتين وعشرين دينارا، وأن خرداديا

60

من البلور بثلاثمائة وستين دينارا، وأن كوز بلور بيع بمائتين وعشرة دنانير، وأن صحونا مموهة بالمينا

61

كان يباع الواحد منها بمائة دينار أو أكثر.

وأكبر الظن أن كثيرا من الكنوز التي نهبت من قصور الفاطميين اشتراها أفراد نقلوها إلى أنحاء أخرى من القيصرية الإسلامية. وقد نقل المقريزي

62

حديث رجل رأى في طرابلس قطعتين من البلور النفيس غاية في النقاء وحسن الصنعة: إحداهما خردادي والأخرى باطية،

63

مكتوب على جانب كل منهما اسم العزيز بالله، وكان ذلك الرجل اشتراهما من مصر من جملة ما أخرج من خزائن المستنصر، وقد رفض بعد ذلك بيعهما بثمانمائة دينار لجلال الدين الملك أبي الحسن علي بن عمار.

64

وبلغ ما بيع من تحف القصر في مدة قصيرة على يد أبي سعيد النهاوندي، دون غيره ممن تولوا بيع تلك الكنوز الثمينة ثمانية عشر ألف قطعة من البلور والزجاج النفيس؛ كان يتراوح ثمن القطعة منها بين عشرة دنانير وألف دينار.

وكان في خزائن القصر عدد كبير من صواني الذهب، بعضها محلى بالمينا وعليه شتى أنواع الزخارف والألوان، كما وجد فيها أكثر من مائة كأس من حجر اليصب أو حجر الدم البازهر (نافي السم) وهو حجر غال من خواصه الوقاية من السم، فكانت الكئوس تصنع منه للأمراء والملوك لتوضع فيها الأشربة، فيتغير لونها إذا كان بها شيء من السم.

65

ومما يجدر ذكره أن الفاطميين لم يمنعهم من جمع بعض الكئوس المذكورة أن كان منقوشا عليها اسم الخليفة السني هارون الرشيد.

66

وقد بيع من خزائن القصر عدا ذلك صناديق كثيرة مملوءة سكاكين مذهبة ومفضضة ذات أياد من الأحجار الكريمة، وعدد كبير من المحابر المختلفة الأحجام والأشكال والمصنوعة من الذهب أو الفضة، أو خشب الصندل أو العود أو الأبنوس أو العاج

67

والمحلاة بالجواهر والمعادن النفيسة، وكانت كلها آية في دقة الصنعة، وكان بينها ما يساوي ألف دينار، وما يساوي أكثر أو أقل من ذلك.

أما المشارب والأقداح من الذهب أو الفضة، فقد كان منها في خزائن القصر كميات وافرة، مختلفة الصناعة والأحجام، وكان بعضها مزينا بزخارف محفورة ومملوءة بالمينا السوداء، على النحو الذي يعرف في الاصطلاح الفني الحديث بصناعة النيلو.

68

وقد بلغ من غرام الفاطميين بجمع التحف الفنية أن الأميرات كن ينافسن الأمراء في هذا الميدان، وأن بعضهن تركن كنوزا ثمينة، فرشيدة ابنة المعز ماتت سنة (443ه/1051م)، وتركت تحفا تقدر قيمتها بنحو مليون وسبعمائة ألف دينار،

69

منها ثلاثون ثوبا من الخز الثمين، والخز كما نعرف قماش من الصوف والحرير،

70

كما وجد في خزائنها بعض العمامات المرصعة بالجواهر، مما يذكر بعمامات الأمراء الهنود. ويقال أيضا: إنها كانت تمتلك الخيمة التي توفي فيها هارون الرشيد بمدينة طوس،

الكنوز الفاطمية · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكنوز الفاطميةص ١٥