تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نصر من الله وفتح قريب

وطول كل راية منها ذراعان في ذراع ونصف، ويحملها فتى من صبيان الخليفة يركب بغلة.

45

وقد كتب القلقشندي أيضا في الآلات الملوكية المختصة بالمواكب العظام عن الجوهر وأسماه الحافر، وذكر أنه قطعة ياقوت أحمر في شكل هلال زينتها أحد عشر مثقالا، ليس لها نظير في الدنيا، تخاط خياطة حسنة على خرقة من حرير، وبدائرها قضيب زمرد ذبابي عظيم الشأن، يجعل في وجه فرس الخليفة عند ركوبه في المواكب، والزمرد الذبابي، كما قال القلقشندي في مكان آخر:

46

هو أفضل أنواع الزمرد ولا يكاد يوجد.

وقد روى القلقشندي

47

أن صلاح الدين عندما استولى على القصر بعد وفاة العاضد آخر خلفاء الفاطميين، وجد فيه من التحف الثمينة ما يخرج عن حد الإحصاء، ومن جملته الحافر الذي تقدم ذكره.

48

وإذا صح ما كتبه الدكتور كاله

Paul Kahle

في ترجمته الألمانية لما جاء في المقريزي عن خزانة الجوهر والطيب والطرائف،

49

فإن الحافر المذكور وصل إلى يد وليم الثاني ملك صقلية سنة (1179م)، وأهداه وليم هذا إلى أبي يعقوب يوسف سلطان الموحدين.

ومما كان يحفظ في خزائن الجوهر والطيب والطرائف السيف الخاص، وقد كان يحمل مع الخليفة في المواكب، ويقال: إنه كان من صاعقة وقعت وأخذت فعمل منها هذا السيف محلى بالذهب ومرصعا بالجواهر، وله كيس مزين بالرسومات المذهبة وأمير من أعظم الأمراء يحمله عند ركوب الخليفة في الموكب.

50

وقد روى أحد الخبراء في الجواهر أنه استدعي ذات مرة في أيام الشدة هو وغيره من الجوهريين، وسئلوا في خزائن القصر عن قيمة صندوق مملوء بالزبرجد؛ فأجابوا بأنهم يعرفون قيمة الشيء إذا كان مثله موجودا، بينما الذي عرض عليهم لا مثل له ولا تقدر له قيمة، فاغتاظ من حضر من الوزراء المعزولين - أو المعطلين كما يقول المقريزي - وأعطوا الزمرد لأحد القواد وحسب عليه فيه خمسمائة دينار.

51

وليس بغريب وجود هذا القدر من الزمرد في خزائن القصر، إذا تذكرنا ما كتبه القلقشندي

52

عن خواص الديار المصرية، وأن أعظمها خطرا معدن الزمرد الذي لا نظير له في سائر أقطار الأرض، والذي يوجد عروقا خضرا في تطابيق حجر أبيض بمغارة في جبل على ثمانية أيام من مدينة قوص.

53

ويذكر المقريزي أن الزمرد لم يزل يستخرج من الجبل المذكور حتى زمن الناصر محمد بن قلاون الذي توفي سنة (741ه/1341م). وفضلا عن ذلك فإننا نعرف من الذيل الذي كتبه أبو زيد في القرن الرابع الهجري على وصف رحلة التاجر سليمان إلى الهند والصين، نقول: إننا نعرف من هذا الذيل أن ملوك الهند كان «يحمل إليهم الزمرد الذي يرد من مصر مركبا في الخواتيم مصونا في الحقاق.»

54

وأتيح للجوهريين أن يشهدوا منظرا آخر حين أتي بعقد جوهر فحصوه ورأوا أن قيمته لا تقل عن ثمانين ألف دينار؛ ولكن الوزراء ورؤساء الجند قدروه بألفي دينار غير أن سلكه انقطع، فتناثر حبه والتقطه الحاضرون من الرؤساء، واحتفظ كل منهم لنفسه بشيء منه، على نحو لا ترى الجماعات المنظمة مثاله إلا في أوقات الشدة والثورات.

ومما نهبه رؤساء الجند وكبار الموظفين المعزولين كمية كبيرة من الدر

55

والجواهر النفيسة بلغ كيلها نحو سبع ويبات، وكان قد بعث بها إلى الخلفاء الفاطميين أتباعهم بنو صليح من اليمن، ونهبوا كذلك من خزائن القصر ألفا ومائتي خاتم ذهبا وفضة، ذات فصوص من الأحجار الكريمة المختلفة الأنواع والألوان والأثمان، مما كان للمستنصر ولأجداده من قبله،

56

وما أهدي إليهم من عمالهم ووجوه دولتهم، وكان منها ثلاثة خواتم مربعة من الذهب عليها ثلاثة فصوص: أحدها زمرد والآخران ياقوت، بيعت باثني عشر ألف دينار.

وشاهد الجوهريون كيسا فيه نحو ويبة من الجواهر عجزوا عن تقدير قيمتها، وقالوا: إن مثلها لا يشتريه إلا الملوك؛ فقومها الأمراء ورؤساء الجند بعشرين ألف دينار، ودخل أحد كبار موظفي القصر إلى الخليفة المستنصر، وأعلمه أن تلك الجواهر اشتراها جده الحاكم بأمر الله بسبعمائة ألف دينار، وكان يرى حينئذ أنها تساوي أكثر من هذا الثمن الذي دفعه فيها.

الكنوز الفاطمية · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكنوز الفاطميةص ١٤