34
وقد نقل المقريزي عن كتاب الذخائر أن بعضهم قدر المنسوجات النفيسة التي أخرجت من خزائن القصر في سني الشدة أيام المستنصر، بما يزيد على خمسين ألف قطعة من الديباج الخسرواني
35
الفاخر، وكان أكثرها مذهبا. وقيل: إن أبا سعيد النهاوندي دون غيره من الدلالين الذين وكل إليهم بيع التحف أمام أبواب القصر، باع في مدة قصيرة أكثر من عشرين ألف قطعة من الخسرواني. كما نقل المقريزي أيضا أن ناصر الدولة زعيم الجند التركية أرسل يطالب المستنصر بما بقي لغلمانه، فذكر الخليفة أنه لم يبق عنده شيء إلا ملابسه، فأخرج ثمانمائة بدلة من ثيابه بجميع آلاتها كاملة، فقدرت قيمتها وحملت إلى الأمير المذكور.
وكان المشرف على خزائن الكسوات ذا رتبة عظيمة، وكانت الخزائن المذكورة قسمين: الخزانة الباطنة، لما هو خاص بلباس الخليفة، وتتولاها سيدة تنعت بزين الخزان، وتحت إمرتها ثلاثون جارية، ولا يغير الخليفة ثيابه إلا عندها. وكان من ملحقات هذه الخزانة بستان من أملاك الخليفة على شاطئ الخليج، تزرع فيه الزهور، وتحمل يوميا إلى الخزانة لتعطير الثياب.
36
أما الخزانة الظاهرة فكان يتولاها أكبر حاشية الخليفة، وكانت فيها كميات كبيرة من شتى أنواع النسيج الفاخر، وكان يحمل إليها ما يصنع في دار الطراز بتنيس ودمياط والإسكندرية، وبها صاحب المقص، وهو رئيس الخياطين، وتحت إمرته عدد منهم، لهم أماكن يفصلون ويخيطون فيها ما يؤمرون بخياطته من الثياب والكسوات، ثم ينقل منها إلى خزانة الكسوات الباطنة ما يخص الخليفة.
37
ولا يسعنا أن نختم الكلام عن خزانة الكسوات دون أن نشير إلى الكسوة التي أمر المعز لدين الله بنسجها للكعبة، وكانت مربعة الشكل من ديباج أحمر، وطرزت على حافتها الآيات التي وردت في الحج بحروف الزمرد الأخضر،
38
وقد كتب ابن ميسر في وصفها: «وفي يوم عرفة نصب المعز الشمسية التي عملها للكعبة على إيوان قصره، وسعتها اثنا عشر شبرا في اثني عشر شبرا، وأرضها ديباج أحمر، ودورها اثنا عشر هلالا ذهبا، في كل هلال أترجة ذهب مشبك، وجوف كل أترجة خمسون درة كبارا كبيض الحمام، وفيها الياقوت الأحمر والأصفر والأزرق، وفيها كتابة دورها آيات الحج زمرد أخضر، وحشو الكتابة در كبار لم ير مثله، وحشو الشمسية المسك المسحوق فرآها الناس في القصر ومن خارج القصر لعلو موضعها، وإنما نصبها عدة فراشين لثقل وزنها.»
39
ويظهر أيضا أن الخلفاء الفاطميين كانوا يحتفظون في خزائنهم بثياب بعض الخلفاء العباسيين. ويقول أبو المحاسن في هذا الصدد: «وكانت هذه الثياب التي لخلفاء بني العباس عند خلفاء مصر يحتفظون بها لبغضهم لبني العباس، فكانت هذه الثياب عندهم بمصر بسبب المعيرة لبني العباس.»
40
ولا حاجة بنا لأن نذكر أن أسواق القاهرة كانت عامرة بالمنسوجات النفيسة التي كانت تشرف الحكومة على إنتاجها، وتفرض عليها الضرائب الكبيرة، وقد وصف الكاتب الصيني
Chau Ju-Kua
أسواق القاهرة فقال: إنها «ملأى باللغط والضجيج والحركة وغاصة بالديباج والدمقس
41
المنسوج بخيوط الذهب والفضة، وأما الصناع ففيهم الروح الفنية الحقة.»
42
خزانة الجوهر والطيب والطرائف
أما خزانة الجوهر والطيب والطرائف، فإن ابن المأمون البطائحي
43
يذكر أنها كانت تحتوي على الأعلام والجوهر التي يركب بها الخليفة في الأعياد، وكان يؤخذ من الخزائن ما يحتاج إليه، ثم يعاد إليها بعد الغنى عنه، ومعه سيف الخليفة الخاص، والرماح الثلاثة التي تنسب إلى المعز.
وقد ذكر القلقشندي
44
في الكلام عن الآلات الملوكية المختصة بالمواكب العظام أن الأعلام أعلاها في المرتبة اللواءان المعروفان بلواءي الحمد، وهما رمحان برءوسهما أهلة من ذهب، وفي كل منهما سبع من الديباج أحمر وأصفر، وفي فمه طارة مستديرة يدخل فيها الرمح فيفتحان فيظهر شكلهما، وكان يحمل هذين الرمحين فارسان من صبيان الحرس الخاص؛ أي: فتيان حرس الخليفة، وكانت تجيء وراء الرمحين المذكورين إحدى وعشرون راية ملونة من الحرير ذي الزخارف والرسوم، ومكتوب عليها