25
ومهما يكن من شيء فإن المعروف أن القاضي الفاضل أسس المدرسة الفاضلية سنة (580ه/1184م)، ووقفها على طائفتي الفقهاء الشافعية والمالكية، واشترى لها ألوفا من الكتب التي كانت تباع من خزائن الفاطميين، حتى بلغ ما في هذه المدرسة من الكتب نحو مائة ألف مجلد، كان مصيرها إلى الضياع، وسبب ذلك كما يقول المقريزي: «أن الطلبة التي كانت بها لما وقع الغلاء بمصر في سنة أربع وتسعين وستمائة والسلطان يومئذ الملك العادل كتبغا المنصوري مسهم الضر، فصاروا يبيعون كل مجلد برغيف خبز حتى ذهب معظم ما كان فيها من الكتب.»
26
ولسنا نظن أننا في حاجة إلى أن نكرر أن ما وقع في عصر صلاح الدين لما بقي في خزانة الكتب الفاطمية كان مقصودا به محاربة المذهب الشيعي قبل كل شيء،
27
ولعل أكثر الكتب التي بيعت أو استولى عليها المقربون إلى صلاح الدين، وأمكن إنقاذها كانت من المؤلفات العلمية أو الأدبية التي لا تمت إلى مذهب الشيعة بأدنى صلة.
خزانة الكسوات
أنشأ المعز لدين الله أول الخلفاء الفاطميين في مصر دارا سماها دار الكسوات، كانت ترد إليها المقادير الوافرة من المنسوجات المختلفة المصنوعة في دار الطراز، أو الواردة من أنحاء العالم الإسلامي أو غيره من البلاد، فتفصل منها كسوات صيفية وكسوات شتوية لرجال القصر وأولادهم ونسائهم وأفراد أسراتهم، فضلا عن الذي كان يخلع على الأمراء والوزراء وكبار الموظفين من الثياب الحريرية المطرزة بالذهب كل بالدرجة التي تناسبه، ووضعت لذلك رسوم سجلت وتقاليد اتبعت، فكانوا يخلعون على الأمراء ثياب دبيقية.
28
وعمائم مطرزة بالذهب، وعلى الوزراء وكبار الموظفين غير ذلك.
وقد أتى المقريزي ببيانات طويلة عن ثياب المواسم والأعياد (التشريفية)، التي كان الخليفة يمنحها الأمراء والأميرات والأتباع وموظفي القصر بخزاناته المختلفة ودواوينه المتعددة، وكذلك نساء الكثيرين منهم وأطباء البلاط ووالي القاهرة ووالي مصر الفسطاط.
29
وكانوا يسمون العيد أحيانا عيد الحلل؛
30
لأن الحلل أو الثياب توزع فيه على أفراد أكثر عددا من الذين توزع عليهم في سائر المناسبات، كرضاء الخليفة عن عمل من الأعمال، أو تولي إمارة الحج
31
أو غير ذلك.
وقد كان للقواد نصيب وافر من الخلع، فالمعروف مثلا أن العزيز بالله ركب لرؤية الجند الذين أعدهم بقيادة منجوتكين التركي للسير سنة (381ه/1991م) إلى حلب لإخضاع ابن سعد الدولة، ثم عاد فخلع على منجوتكين، وحمل إليه عشرة أحمال مال، فيها مائة ألف دينار، ومائة قطعة من الثياب الملونة على أيدي خمسة وعشرين غلاما، وعشر قباب بأغشية ومناطق مثقلة وأهلة وفروش وخمسين بندا.
32
وكانت الكسوات التي تخلع على وجوه الدولة ترفق ببراءات أو رقعات من ديوان الإنشاء، وقد حفظ لنا المقريزي صورة رقعة من هذه الرقعات كتبها ابن الصيرفي،
33
مقترنة بكسوة عيد الفطر من سنة (535) هجرية، وهذا نصها: «ولم يزل أمير المؤمنين منعما بالرغائب، موليا إحسانه كل حاضر من أوليائه وغائب، مجزلا حظه من منائحه ومواهبه، موصلا إليهم من الحياء ما يقصر شكرهم عن حقه وواجبه. وإنك أيها الأمير لأولاهم من ذلك بجسيمه، وأحراهم باستنشاق نسيمه، وأخلقهم بالجزء الأوفى منه عند فضه وتقسيمه؛ إذ كنت في سماء المسابقة بدرا، وفي موائد المناصحة صدرا، وممن أخلص في الطاعة سرا وجهرا، وحظي في خدمة أمير المؤمنين بما عطر له وصفا، وسير له ذكرا، ولما أقبل هذا العيد السعيد، والعادة فيه أن يحسن الناس هيئتهم، ويأخذوا عند كل مسجد زينتهم، ومن وظائف كرم أمير المؤمنين تشريف أوليائه وخدمه فيه، وفي المواسم التي تجاريه، بكسوات على حسب منازلهم، تجمع بين الشرف والجمال، ولا يبقى بعدها مطمح للآمال، وكنت من أخص الأمراء المقدمين ...»