15
ولسنا نظن أن الفاطميين وجدوا في مصر عند قدومهم من شمالي أفريقيا كتبا كثيرة كانت نواة لمكتبتهم العظيمة؛ ولكنا نرجح أن رغبتهم الأكيدة في منافسة الدولة العباسية، وعملهم على تشجيع العلم والعلماء، وسياستهم في تقريب الأدباء والشعراء، واتخاذهم إياهم صحفا حية تلهج بذكرهم،
16
ثم روح التسامح التي كانت تسود البلاد في أكثر أيام حكمهم، كان كل ذلك من شأنه أن يشجع الدرس والتحصيل والبحث والتأليف، ونسخ الكتب ومعارضتها، ونقدها، والتعليق عليها، وكتابة الذيول لها، كما كان من شأنه أيضا أن يسوقهم إلى اقتناء المخطوطات، إن لم يكن لولع خاص؛ فلأنه كان من واجبات الخلفاء وشارات الفضل والعلم،
17
فضلا عن أن المكتبات كانت قد انتشرت في العالم الإسلامي وأدرك المسلمون فائدتها.
18
ولم يكن وزراء الفاطميين أقل حماسا في هذا الميدان من أولياء الأمر في البلاد؛ ولا سيما أن المتأمل في تاريخ الدولة الفاطمية يرى أن خلفاءها كانوا يتقربون إلى الشعب بتكريم فقهائه وعلمائه، فهذا يعقوب بن كلس اليهودي الذي أسلم في خدمة كافور، واتصل بالمعز، ووزر للعزيز كان - كما كتب ابن خلكان - «يحب أهل العلم ويجمع عنده العلماء، ورتب لنفسه مجلسا في كل ليلة جمعة يقرأ فيه مصنفاته على الناس، وتحضره القضاة والفقهاء والقراء والنحاة، وجميع أرباب الفضائل وأعيان العدول وغيرهم من وجوه الدولة وأصحاب الحديث، فإذا فرغ من مجلسه قام الشعراء ينشدونه المدائح، وكان في بيته قوم يكتبون القرآن الكريم، وآخرون يكتبون كتب الحديث والفقه والأدب حتى الطب ويعارضون ويشكلون المصاحف وينقطونها.»
19
وفضلا عن ذلك فالمعروف أن الفضل في وقف الجامع الأزهر على العلم وخلق نواة الجامعة الأزهرية العظيمة إنما يرجع إلى ابن كلس.
ومهما يكن من شيء فإن حكام القيصريات الإسلامية الثلاث
20
في أواخر القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) كانوا مغرمين بجمع الكتب غراما كبيرا، وكانوا يتسابقون في ذلك ويتنافسون حتى إن الخليفة الحكم الثاني - من خلفاء الدولة الأموية في الأندلس - كان له رسل في أنحاء العالم الإسلامي يجمعون له الكتب الثمينة، ولا سيما ما كان منها بخطوط المؤلفين.
21
وقد أشار المستشرق متز
Mez
إلى فقر المكاتب المغربية في ذلك الحين؛ فذكر عدد المجلدات التي كانت تشتمل عليها المكاتب في بعض البلدان الأوروبية الشهيرة مثل: كونستانس التي كان بها في القرن التاسع 356 مجلدا، وبامبرج (من أعمال بافاريا) التي لم تكن تشمل إلا على 96 مجلدا،
22
بينما كان لبعض الأفراد في الشرق الإسلامي - كالجاحظ والفتح بن خاقان والقاضي إسماعيل بن إسحاق - مكاتب كبيرة.
23
وقد كتب أبو شامة
24
في مؤلفه «كتاب الروضتين في أخبار الدولتين» نبذة عن بيع الكتب من الخزانة الفاطمية في بداية عصر صلاح الدين، فنقل عن عماد الدين الأصفهاني أن بيع الكتب في القصر كان له يومان في كل أسبوع، وكانت الكتب تباع بأرخص الأثمان، وبعد أن كانت خزانتها في القصر مرتبة مفهرسة قيل للأمير بهاء الدين قراقوش متولي القصر وصاحب الأمر والنهي فيه: إن هذه الكتب قد عاث فيها العث ولا بد من تهويتها، وإخراجها من الرفوف إلى أرض الخزانة، وكان هذا الوزير «تركيا لا خبرة له بالكتب ولا درية له بأسفار الأدب»، بينما كان هذا الطلب حيلة مدبرة من تجار الكتب، يريدون بها تفريق المؤلفات وتوزيع أجزائها وخلط أنواعها ومزج بعضها ببعض، فتم ذلك واختلطت كتب الأدب بكتب النجوم، وكتب الشرع بكتب المنطق، وكتب الطب بكتب الهندسة، والتاريخ بالتفسير، والكتب المجهولة بالكتب المشهورة. وكان في خزانة الكتب مؤلفات يشتمل كل كتاب على خمسين أو ستين جزءا مجلدا، إذا فقد منها جزء لا يخلف أبدا؛ ففرق الدلالون هذه الأجزاء لتقل قيمة الكتب وتباع بأبخس الأثمان؛ بينما كانوا يعرفون مواضع أجزائها ويستطيعون جمع شملها بعد شرائها، وكان بعضهم يتشاركون في إتمام ذلك ثم يبيعون الكتب بعد ذلك بأضعاف الثمن الذي دفعوه فيها.