وقد اقتبس الغربيون أثناء الحروب الصليبية بعض الأساليب المعمارية في سورية ومصر، ولم يكن كل ما اقتبسوه سوريا أو مصريا بحتا؛ فالمعروف أن العمارة الإسلامية في العراق ومصر والشام تأثرت ببعض الأساليب الإيرانية منذ القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي).
وكذلك يلاحظ أن العقد الإنجليزي التيودوري في البناء لا يختلف كثيرا عن العقد الإيراني المدبب الذي ينتهي انحناؤه بخطين مستقيمين، كما أن بعض الأساليب المعمارية التي استخدمت في السقوف والقباب بأوروبا في العصور الوسطى ربما كانت مأخوذة عن إيران والشرق الإسلامي. •••
وإذا أردنا أن نتبين تأثير الفن الإيراني في سائر الفنون، ولا سيما الغربية منها لا يجب أن نقف عند الأساليب الفنية نفسها، وإنما يجدر بنا أن نفطن إلى أن كثيرا من المثل العليا في الفنون الغربية من أناقة ودقة وتماثل في الرسوم والزخارف ترجع إلى أصول إيرانية.
وفضلا عن ذلك كله فإن بعض الفنانين الأوروبيين في بداية القرن الحالي جذبتهم الأساليب الفنية الإيرانية؛ فتأثروا بألوان الصور الإيرانية، وأدخلوا في آثارهم الفنية عناصر تدل على نزعتهم في التأثر بالمحيط الفني الإيراني، ورغبتهم في الخروج عن المألوف من قواعد الفنون الأوروبية التي لم تكن تتطور وتتغير إلا بقدر وببطء.
فالمصور الفرنسي هنري ماتيس
Matisse
الذي اشتهر بأساليبه العجيبة في مزج الألوان واستخدامها، وبثورته على النزعات الفنية التي سادت في بداية هذا القرن، كان من المعجبين بالفن الإيراني، وكانت لديه مجموعة نفيسة من التحف الإيرانية، وقد اعترف بتأثير بعض الأساليب الفنية الإيرانية على فنه، كما أن بعض النقاد الأوروبيين كانوا يشبهون لوحاته الفنية بالصور الإيرانية أو الهندية، وبالصور المذهبة في مخطوطات العصور الوسطى.
وكذلك المصور والحفار الإنجليزي فرانك برانجوين
Brangwyn
الذي ولد سنة 1867 وبدأ حياته الفنية برسم الصور الحائطية، اعترف أيضا بفضل المثل العليا في الفن الإيراني على أساليبه الفنية العامة، ولا سيما في المناظر الشرقية التي كانت يرسمها في بعض الأحيان.
والمصور الهولندي ماريوس باور
Marius Bauer
الذي ولد سنة 1864، زار تركيا والهند ومصر وأتيح له أن يعجب بفنون إسلامية وثيقة الصلة بالفن الإيراني، فلا عجب إذا رأينا في بعض رسومه روحا إيرانية قربتها إلى قلوب الهواة في هولندة.
والمصور الإنجليزي وليم روتنشتاين
William Rothenstein
الذي ولد سنة 1872 وعين في سنة 1920 مديرا للكلية الملكية للفنون في سوث كنسنجتن، عمد إلى الفن الإيراني فاستوحاه بعض الأساليب الفنية التي أكسبت صوره نضارة ظاهرة.
أما المصور الجزائري المعاصر محمد راسم، فقد أفلح في أن ينسج في صوره على منوال الصور الإيرانية في المخطوطات النفيسة، ومع أن له دراية واسعة بالتصوير الغربي، فقد اختار أن يتبع الأساليب الفنية الإيرانية وأن يكون فنه زخرفيا قبل كل شيء، وألا يستخدم الظل والضوء على الطريقة الغربية إلا بقدر، وقد أصاب في ذلك كله نجاحا كبيرا، حتى قال الأستاذ جورج مارسيه
Marçais
في خطبته بمعرض الفنون الوطنية بالجزائر (5 مارس سنة 1937): إن نهضة عظيمة أحيت فن التصوير الإسلامي بفضل هذا الفنان ومن تأثروا به من تلاميذه والمعجبين بأسلوبه الفني. •••
والواقع أن جل النزعات الحديثة في الفن يبدو فيها رجوع إلى بعض مبادئ الفن الإيراني، ولكننا لا نزعم أن كثيرين من الفنانين المحدثين قد تأثروا بالفن الإيراني، وإنما الحق أن بعدهم عن الأصول الفنية الكلاسيكية يكسب آثارهم الفنية طابعا شرقيا إلى حد ما، وحسبنا أنهم لا يعنون الآن بأن تكون الصورة مثالا صادقا للطبيعة المنقولة عنها، بل يقنعون بالفكرة والمنظر العام وشيء من الشبه بين «الأصل» والصورة. •••