تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والأواني الخزفية ذات البريق المعدني تعلم الإيطاليون صناعتها من الأندلس، التي كانت قد أخذتها عن الشرق الأدنى ولا سيما إيران، وكذلك التحف العاجية المصنوعة في صقلية تأثر صانعوها بالأساليب الفنية في الطرازين الفاطمي والإيراني، والمنسوجات الإيرانية والتركية والفاطمية كان لها أثر كبير على زخارف المنسوجات في صقلية وجنوبي إيطاليا، أما صناعة السجاد فإنها تكاد تقوم على أسس إيرانية، وقد مر بنا أن بعض المصورين الإيطاليين والألمان في القرنين الخامس عشر والسادس عشر بعد الميلاد أقبلوا على رسم السجاجيد والأقمشة وبعض التحف الإسلامية الأخرى في لوحاتهم.

9

والأساليب الفنية في التجليد عند الإيطاليين منذ عصر النهضة لم تنج من تأثير الأساليب الإيرانية

10

في هذه الصناعة.

وعرفنا فضلا عن ذلك أن طائفة من الفنانين الإيرانيين في صناعة المعادن رحلوا إلى البندقية، وكان تأثيرهم عظيما في صناعة تطعيم البرونز بالفضة والذهب، كما أن «ألبومات» الزخرفة في عصر النهضة بأوروبا كانت تشتمل على جزء وافر من الزخارف الإسلامية، ولا سيما الإيرانية.

وقد ثبت عدا ذلك أن إيران كانت على اتصال وثيق بشمالي أوروبا في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)،

11

ووجدت في بعض أطلال شبه جزيرة اسكندناوة قطع من العملة الإيرانية وكأس من الفضة، كما ثبت أن الزخارف المحفورة على بعض تلك التحف الشمالية متأثرة بالأساليب الفنية الإيرانية.

12

والواقع أن بعض العلماء يذهبون إلى أن اتصال شمالي أوروبا في نهاية القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) بشمالي آسيا وبإيران والهند، كان أوثق من اتصاله بجنوبي أوروبا نفسها، وأن الأساليب الفنية المستمدة من الفنون الإغريقية والرومانية والمسيحية لم تتغلب على الأساليب الفنية الآسيوية الأصل في الفنون الشمالية إلا بعد بداية القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي).

وعلى رأس الذين بحثوا في الاتصال الفني بين آسيا والشعوب الشمالية الأستاذ جوزيف ستريجوفسكي، الذي نسب إلى إيران قسطا وافرا من أصول الفنون المسيحية، والذي كان شديد الإيمان باتصال الثقافة الفنية بين إيران وشمالي آسيا وشمالي أوروبا. ومما كتبه في هذا الصدد:

13

In my studies on the origin of Christian art, it was in Asia, in the art of Iran, that I first discovered a powerful rival to the culture of Greece and Rome, and it is from that country, situated on the southern part of Northern Asia, that the art Known to us as mediaeval, was derived. Later, however, I saw that this Iranian world was closely related to the North of Europe, and that to understand the one it was necessary to be acquainted with the other.

ولا شك في أن بعض الأساليب المعمارية الإيرانية تسربت إلى مصر والشام، ثم إلى صقلية وبعض الأنحاء الأوروبية الأخرى. والواقع أن أحد المؤلفين الغربيين واسمه رسل سترجيس

Russel Sturgis

قد عرف بقوله إن تأثير بعض عناصر العمارة الإيرانية على عمارة أوروبا إبان العصور الوسطى يكاد يعادل تأثير العمارة الرومانية نفسها.

14

وليس هذا بغريب؛ فقد استطاع المسلمون في الأقاليم التي فتحوها أن يؤثروا في الأساليب المعمارية، فبدأت في التطور السريع حتى أصبحت هناك طرز معمارية إسلامية تختلف باختلاف الأقاليم الإسلامية، ولكن لها شخصية ظاهرة وصفات مشتركة، تجمعها على الرغم من تعدد أصولها، وكما كانت هذه الطرز المعمارية الإسلامية وليدة الأساليب المعمارية القديمة، فقد استطاعت أيضا أن تؤثر على العمارة في العصور الوسطى، ولا سيما في الأصقاع التي امتد إليها نفوذ المسلمين السياسي أو الثقافي كصقلية والأندلس وجنوبي فرنسا وجنوبي إيطاليا والبلقان وجزر البحر المتوسط والأصقاع الإسلامية في أفريقيا وجزائر الهند الشرقية.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي · الصفحة ٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلاميص ٩٨