وصفوة القول أن إيران أتيح لها - بفضل موقعها الجغرافي - أن تكون حلقة الاتصال بين المدنيات الشرقية القديمة والمدنيات الغربية؛ فكان لها في تاريخ العمارة شأن عظيم، وتسربت أساليبها الفنية إلى الشرق الأقصى وإلى وسط أوروبا وجنوبيها، وإلى البلاد الشمالية المحيطة ببحر البلطيق؛ وذلك بفضل التجارة في وسط آسيا والمحيط الهندي والبحر المتوسط وطرق التجارة من الروسيا إلى البلاد الاسكندنافية، فضلا عن الهدايا التي كان الملوك والأمراء يعنون بتبادلها؛ فخرا بصناعات بلادهم وإبقاء للعلاقات الودية بينهم.
| خاتمة
رأينا في الصفحات السابقة كيف تطور الفن الإيراني في الإسلام، وألممنا في شيء من الاختصار بالميادين المختلفة التي أظهر فيها الإيرانيون عبقريتهم الفنية، ونود الآن أن نختتم حديثنا بلمحة عامة عن مميزات هذا الفن.
ولعل أول ما يلفت النظر في العمائر والتحف الفنية الإيرانية ما فيها من عظمة وفخامة، ولكنها عظمة ممتازة، ومشربة بالدقة وحسن الذوق والبراعة والتوفيق في الاختيار؛ فإن الشعب الإيراني شعب ذو مزاج رقيق في فنه وأدبه وحياته الاجتماعية، والذين يفهمون مقام قصائد حافظ ورباعيات الخيام وقصص سعدي في الأدب العالمي، يمكنهم أن يعرفوا مكانة الفن الإيراني بين سائر الفنون، وأن يدركوا ما يمتاز به من أرستقراطية قوامها الرقة والإبداع والإتقان.
وفضلا عن ذلك فالإيرانيون شعب فنان ذو غريزة زخرفية قوية؛ ولذا يكاد الفن يشمل كل ما يستخدمه الإيراني في حياته، بل إن الصانع العادي لا يقنع في منتجاته بنصيب قليل من جمال الفن ورونقه.
والإيرانيون يحبون الزهور والحدائق، ولا يملون الحديث عنها في أدبهم وشعرهم، وهم بعد ذلك يتخذونها عنصرا أساسيا من عناصر الزخرفة عندهم . •••
والفنون الإيرانية في الإسلام أكثر الطرز الإسلامية تماسكا ووحدة، وحسبك أن توازن بين الطرز الفنية في مصر: الطولوني والفاطمي والمملوكي؛ لتدرك أن الفرق بين كل منها والذي يليه أكبر من الفرق بين الطراز السلجوقي والطراز الإيراني التتري والطراز الصفوي.
أجل، إن البناء أو التحفة المصرية الإسلامية لها ذاتيتها في كل العصور، وإننا نستطيع أن ندرك لأول وهلة أن القطعة الفنية من منتجات مصر، ولكننا نشعر أن العمائر أو التحف الإيرانية أشد وحدة، وأن غير الأخصائيين إذا نسبوها إلى طراز آخر، فإنما ينسبونها إلى طراز متأثر بالفن الإيراني كل التأثر كالطراز العثماني أو الطراز الهندي.
وقصارى القول أن الطرز الفنية الإيرانية عظيمة التماسك ووافرة الاستقلال عن غيرها من الطرز الإسلامية التي لم تتأثر بالأساليب الفنية الإيرانية، بيد أن الطرز الإسلامية جميعا في إيران وفي مصر وفي سائر الأقطار الإسلامية مشتركة في صفات عدة هي التي تكسبها الطابع الإسلامي. •••
فالفن الإسلامي عامة فن غير شخصي، والفنان المسلم في إيران ومصر وإفريقية والأندلس والشام وتركيا لا يعمل على أن يعبر عن الطبيعة، أو عن الحقيقة أو عن شعوره تعبيرا خاصا يميزه عن غيره من الفنانين، ولا يثبت وجوده باتخاذه طريقا خاصا وأسلوبا معينا ينم عنه، وإنما نراه في أكثر الأحيان يتبع السبيل المطروق، ويقتفي أثر الأقدمين، ويسير على الأساليب الفنية الموروثة. والفنان الماهر يفوق غيره في إتقان الرسم أو الزخرفة، ولكنه قل أن يبتدع شيئا جديدا. ولعل هذا أكبر سبب في أن أكثر التحف الإسلامية مجهولة الصانع، ونحن حين نعجب بهذه التحف قل أن نفكر في صانعها؛ لأنها جزء من كل: هو الطراز الذي تنسب إليه، ولأننا نستطيع أن نعرف البلد الذي صنعت فيه والعصر الذي ترجع إليه، ولكن صانعها لم يترك لنا من شخصيته ما يساعد على تسجيل اسمه لنا، وما يبعث فينا الشوق إلى معرفته. أجل إن هناك حالات شاذة ولكنها تثبت القاعدة كما يقولون، والفنان إذن وسيلة وأداة، ومنتجاته لا تدل عليه؛ ولذا لم يكتب المسلمون في تاريخ حياة الفنانين ، حتى إننا إذا عثرنا على اسم فنان لم نجد عنه في كتب التاريخ والأدب ما يمكننا أن نتبين منه بيئته والعوامل التي أثرت في فنه. والحق أن البون شاسع بين حال الفنانين في تاريخ الغرب ونصيبهم في الشرق الإسلامي؛ فاللغات الإغريقية واللاتينية ثم اللغات الأوروبية غنية بما فيها من مؤلفات في تاريخ الفنانين ودرس البيئة التي عاشوا فيها والعوامل المختلفة التي أثرت في فنونهم، بل إن بعض مؤرخي الفنون يكرسون حياتهم العلمية لدرس فنان من الفنانين وإماطة اللثام عن كل دقيقة صغيرة في حياته وفي آثاره الفنية، أما في الإسلام عامة فإن نصيب الفنان من العناية كان ضعيفا هينا.