تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن معظم الزخارف الكوفية عند الإيرانيين لم يكن لها طابع إيراني خاص، ولم يكن الفرق كبيرا بينها وبين الزخارف الكوفية في سائر الأقاليم الإسلامية، اللهم إلا في الثروة الزخرفية التي كانت تبدو غالبا في الأرضية التي تقوم عليها الكتابة، كما نرى في قطعة النسيج الإيرانية التي ترجع إلى القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، والمحفوظة في مجموعة المسز مور (انظر شكل

109 )، وكما نرى في شريط الكتابة الجصية الزخرفية في المسجد الجامع بقزوين، وهي أيضا من بداية القرن الثاني عشر الميلادي (507-509ه)، وكانوا في بعض الأحيان يكسون الآجر بالمينا، ويزينونه بعبارات مكتوبة بالخط الكوفي المستطيل، كما في المسجد الجامع بأصفهان، واستخدموا هذه الكتابات الكوفية المستطيلة في الفسيفساء الخزفية، كما في المسجد الجامع بمدينة يزد، وفي المسجد الجامع بأصفهان.

وفي متحف اللوفر بباريس طبق خزفي من صناعة سمرقند، عليه كتابة بالخط الكوفي الجميل، ربما كان نصها: «العلم أوله مر مذاقته لكن آخره أحلى من العسل السلامة» (انظر شكل

71 )، وهو مثال لإتقان الزخرفة الكتابية وقوة تعبيرها وما يمكن أن يصل إليه الفنان فيها من توفيق عظيم؛ ولا غرو فإن بلاد التركستان الغربية انتخبت نماذج بديعة جدا من الخزف ذي الزخارف الكتابية، ولا سيما في سمرقند وبخارى، ولعل ذلك من آثار الحضارة السامانية.

وقد صنع الخزفيون الإيرانيون في العصر الإسلامي عددا وافرا من القطع الخزفية ذات الزخارف الكتابية بالخط الكوفي البسيط، والكوفي المزهر والخطوط المستديرة.

6

والظاهر أن الصناع الذين كانوا يكتبون على الخزف لم يتقنوا دائما القراءة والكتابة، ولم يعرفوا تماما ما كانوا يكتبون، وإنما كانوا ينقلونه نقلا. ويظهر ذلك جليا من الأخطاء التي نراها في رسم بعض الكلمات والعبارات، حتى ما كان منها كثير الورود في تلك الكتابات مثل «عز ويمن لصاحبه»؛ ولا غرو فقد كانت العربية لغة أجنبية عند الفنانين الإيرانيين.

ومما يجدر ذكره أننا نلاحظ استخدام الكتابة المستديرة الحروف في بعض أنواع الخزف الإيراني وغيره من التحف على نحو يشعر بأن الغرض منها ليس زخرفيا تماما؛ ولعل السبب في ذلك غرام الإيرانيين بالشعر، وحرصهم في كثير من المناسبات على كتابة بعض الأبيات على التحفة الفنية. وفضلا عن ذلك فإن بعض تلك الكتابات لا يقصد به إلا تسجيل تاريخ القطعة واسم صانعها، كما نجد على بعض نجوم القاشاني التي تكسى بها الجدران. وأكثر ما ترى هذه الكتابات النسخية على الخزف المصنوع بإيران في القرنين السادس والسابع بعد الهجرة (الثالث عشر والرابع عشر بعد الميلاد)، ومعظمها لا يختلف خطه عن الخطوط المستديرة الحروف والمستخدمة في المخطوطات، اللهم إلا في لوحات القاشاني الكبيرة ذات الأشرطة الكتابية البارزة؛ فقد استعملت فيها خطوط نسخية محورة بعض التحوير ومختلفة عن الخطوط المستخدمة في المخطوطات.

وفي القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) بلغت الزخارف الكتابية عصرها الذهبي في إيران، وظلت محتفظة بمكانة سامية حتى عصر الدولة الصفوية في القرن العاشر الهجري. (5) الرسوم الهندسية

أما الرسوم الهندسية فإنها أقل شأنا في الطرز الإيرانية منها في سائر الطرز الإسلامية،

7

ولعل ذلك راجع إلى غنى الطرز الإيرانية بالزخارف الآدمية والحيوانية والنباتية.

والمشاهد على كل حال أن الزخارف الهندسية في الفن الإيراني لم تبلغ أوج عزها إلا منذ القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، وأنها كانت ملائمة جدا للزخرفة بقوالب الطوب وبالفسيفساء الخزفية؛ فلا عجب أن أصبح لها شأن عظيم في العمارة، كما استخدمت أيضا في رسوم الصفحات المذهبة وفي زخارف الحشوات الخشبية. بينما أصاب الفنانون في تطعيم المعادن أبعد حدود التوفيق في الجمع بين الزخارف الهندسية والزخارف النباتية، أما في الخزف والمنسوجات فإن استخدام الزخارف الهندسية كان نادرا.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي · الصفحة ٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلاميص ٩٤