وكانت الرسوم الحيوانية الإيرانية في بداية العصر الإسلامي تشبه كثيرا رسوم العصر الساساني في الجفاف والقوة، ولا سيما في رسم المفاصل، كما كانت تشبهها أيضا في اتباع التماثيل والتوازن ورسم الحيوانات والطيور متواجهة أو متدابرة، أو رسمها متتابعة في شريط من الزخرفة.
3
وعلى كل حال فإن الإيرانيين لم يعنوا في الزخارف الحيوانية بتقليد الطبيعة تقليدا صادقا إلا في العصور الذهبية التي تقدم الفن فيها، وفي الحقبات التاريخية التي تأثر في أثنائها بالأساليب الفنية الصينية في رسم الحيوان والنبات.
هذا وإننا نستطيع أن نقول بوجه عام إن الزخارف الآدمية والحيوانية كانت في الطرز الفنية الإيرانية الإسلامية حلقات في سلسلة متصلة؛ فصورة الإنسان أو الحيوان لم تكن مقصودة لذاتها، ولكنها اتخذت موضوعا زخرفيا، وكانت توضع في دوائر أو أشرطة أو أشكال هندسية أخرى منفردة أو متواجهة أو متدابرة، وهي بعد ذلك لا تخرج عن المبدأين العامين اللذين نعرفهما في الفنون الإسلامية: مبدأ كراهية الفراغ والرغبة في تغطية السطوح والمساحات بالزخارف الكافية، ثم مبدأ التكرار الضروري لتحقيق المبدأ الأول.
والواقع أننا إذا تأملنا التحف الإسلامية المختلفة، الإيراني منها وغير الإيراني، من سجاد أو منسوجات أو خزف أو خشب أو تحف معدنية أو جلد أو جص، رأينا في أغلب الأحيان موضوعات زخرفية مكونة من عناصر مجمعة في توافق وتوازن جنبا إلى جنب، وتمتاز بأنها منبسطة غير بارزة وبأنها ذات ألوان شرقية في درجاتها وانسجامها، وبأن للخيال فيها شأنا عظيما، وبأنها مكررة في أشرطة أو مناطق متعددة الأشكال. (4) الزخارف الكتابية
قامت اللغة العربية بين الأمم الإسلامية في العصور الوسطى مقام اللغة اللاتينية بين الأمم المسيحية، وأفلح العرب في أن يفرضوا لغتهم على بعض الأقاليم المفتوحة مثل مصر، ولكنهم في إيران لم يفلحوا في القضاء على اللغة الإيرانية في كل طبقات الشعب، وإنما تحول الإيرانيون إلى كتابة لغتهم بالحروف العربية، ولم يلبثوا أن استخدموا الكتابة في الزخرفة كما فعلت سائر الأقطار الإسلامية؛ فالمعروف أن الحروف العربية تناسب بطبيعتها الأغراض الزخرفية كل المناسبة.
4
والواقع أن النقوش الخطية من أعظم الزخارف شأنا في الفنون الإسلامية؛ فقد انتشر الخط العربي بنمو الإسلام وامتداده، ووصل في زمن قصير إلى جمال زخرفي لم يصل إليه خط آخر في تاريخ الإنسانية عامة. ولم تستخدم الكتابات على العمائر والتحف لتسجيل اسم صاحب التحفة أو مشيد البناء، أو لبيان التاريخ أو للتبرك ببعض الآيات القرآنية أو العبارات الدعائية فحسب، بل كان الفنان الإيراني - كسائر الفنانين في الأقطار الإسلامية - يستخدم الكتابة لذاتها عنصرا زخرفيا في بعض شواهد القبور وفي الخزف والقاشاني والتحف المعدنية. ونستطيع أن نقول بوجه عام إن الفنانين الإيرانيين استخدموا الخطوط المستديرة، كالخطين النسخي والثلث وغيرهما من الخطوط التي ابتدعوها، كما استخدموا الخط الكوفي. والمعروف أن استعمال الزخارف الكتابية كان أكثر إتقانا في الأقطار الإسلامية الشرقية منه في غربي العالم الإسلامي، وحسبنا أن أبدعها ينسب إلى إيران وديار بكر.
وقد وفق الإيرانيون في الخط الكوفي وفي سائر الخطوط التي استخدموها إلى انسجام وجمال زخرفي عظيمين؛ ولا غرو فقد كان للخط الجميل عندهم مكانة عظمى، كما مر بنا في الكلام عن فنون الكتاب، كما أنهم عرفوا أنواعا كثيرة من الخطوط الكوفية والمستديرة الحروف.
5
على أن الإيرانيين لم يقبلوا على استخدام الكتابة في الزخرفة قبل القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، والزخارف الكتابية التي ترجع إلى هذا التاريخ نادرة في إيران وكلها بالخط الكوفي. والواقع أن الكتابة الكوفية كانت تلائم الطراز الزخرفي في ذلك العصر، كما كانت تلائم الزخرفة في النسيج والخشب والمعدن. وكانت الزخارف الكوفية يختلف بعضها عن بعض في هيئة الحروف من حيث الدقة والأناقة واتساع الحروف وحسن توزيعها، وذلك بحسب مهارة الصناع والفنانين، ومن أبدعها شريط من الكتابة المنقوشة في ضريح بيرعالمدار سنة 418ه/1027م. وقد ظل الخط الكوفي مستعملا في الزخرفة الإيرانية إلى القرن الماضي، حتى بعد أن عم استخدام الخطوط المستديرة منذ القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، وأقبل الفنانون على إكسابها طابعا زخرفيا جميلا.