12 ).
أما المساجد في الطراز الإيراني المغولي فقد زادت أناقة واتزانا كما يظهر في مسجد فرامين وفي جامع جوهر شاد بمدينة مشهد. ويمتاز هذا الجامع الأخير بتناسب أجزائه المختلفة. وشاع في عصر التيموريين بناء المساجد التي تعلوها قبة ضخمة، ويؤدي إليها مدخل عال يلفت النظر بعظمته وفخامته. ومن أبدع العمائر التي تنسب إلى القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) الجامع الأزرق الذي شيد بمدينة تبريز في منتصف هذا القرن، وكانت في وسطه قاعة كبرى عليها قبة وحولها قاعات أخرى وفي أحد جوانبها مقبرة مقنطرة أو مقبية. وقد زين هذا المسجد بفسيفساء من الخزف غاية في الإبداع والجمال، وفيها اللون الأزرق الفاتح والأزرق الغامق والأسمر والأخضر الغامق، كما أن فيها بعض الفروع النباتية المذهبة.
وقد عظم شأن المدارس في العصر التيموري، ولكن لم يطرأ على بنائها في هذا الطراز تغيير كبير. ومن الأمثلة التي لا تزال باقية في حالة جيدة مدرسة خرجرد على مقربة من الحدود الأفغانية، وقد شيدت سنة 849ه/1445م على يد مهندسين معماريين من شيراز، وتتكون من صحن مربع تحيط به أربعة إيوانات ذات طابقين وأقبية أسطوانية الشكل وعقود إيرانية مدببة. ومما يلاحظ في كثير من تلك المدارس وجود منارة أسطوانية مرتفعة تحف بجانبي المدخل المستطيل الشكل أو المربع، ويتوسط المدخل عقد إيراني كبير.
واستخدم البناءون الجص بكثرة في زخارف العمائر الإيرانية التترية ولا سيما في المحاريب، ولكن التجديد الحقيقي في زخارف العمائر التي تنسب إلى هذا الطراز إنما هو استخدام الخزف والقاشاني المختلف الأنواع. والواقع أن أولئك الفنانين أتيح لهم أن يصلوا في الزخرفة بقوالب الآجر وبفسيفساء القرميد والخزف إلى غاية الإبداع والإتقان، ولا سيما في العصر التيموري الذي ينسب إليه المسجد الأزرق في تبريز، وقد غلبت هذه التسمية على المسجد المذكور للون القاشاني الذي يغطي جدرانه. ولا ريب في أن الفسيفساء الخزفية في هذا المسجد تبدو كأنها رسمت بدقة توازي دقة الفنانين الذين كانوا يشتغلون بزخرفة صفحات الكتب وتذهيبها، فضلا عن أن هذه الفسيفساء الخزفية المتعددة الألوان تذكر بما أولع به القوم في بلاد ما وراء النهر من تعدد الألوان في سجاجيدهم.
وعني الفنانون في ذلك العصر باستخدام المقرنصات أو الدلايات في تزيين العمائر عناية تذكر بما اتجه إليه زملاؤهم في الطراز الأندلسي المغربي، كما نرى في قصر الحمراء؛ حيث أسرف الفنانون في استخدام المقرنصات إسرافا كاد يؤدي إلى الملل وفقد البساطة الفنية، بينما أفلح الإيرانيون في استعمال هذه الزخارف بدون مبالغة تفقد عمائرهم الاتزان والاحتشام.
على أن الفنانين الإيرانيين في عصر المغول كانت لهم مهارة عظيمة في كسوة العمائر بنجوم من القاشاني يملئون ما بينها من الفراغ بلوحات أخرى صليبية الشكل، كما استخدمت المحاريب المصنوعة من القاشاني اللامع ذي البريق المعدني (انظر شكلي
28
و
30 ). والظاهر أن مركز صناعة هذا القاشاني كان قد انتقل في ذلك العصر من مدينة قاشان إلى فرامين، أما في العصر التيموري فقد انقضى عهد القاشاني ذي البريق المعدني، واستخدمت لكسوة الجدران تربيعات مختلفة الألوان.
ويظهر تأثير الشرق الأقصى واضحا في العناصر الزخرفية التي استخدمت في الطراز الإيراني المغولي، كالحيوانات الخرافية والصور الآدمية ذات السحنة الصينية. واحتفظت بغداد بشهرتها في كتابة المصاحف بالخط الجميل وتذهيبها، وأصاب الخطاطون فيها توفيقا عظيما في الخط النسخي الكبير، وكانوا يحددون الحروف بالذهب ويزينون الأرضية بالفروع النباتية الجميلة. وفي نهاية القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) انتقلت الزعامة في هذا الفن إلى مدينتي تبريز وسمرقند.