وبعد وفاة تيمورلنك سنة 807ه/1405م أفلح ابنه شاه رخ في الاستيلاء على عرش إيران وبلاد ما وراء النهر، واتخذ مدينة هراة عاصمة له؛ فازدهرت فيها الفنون والآداب على يده وفي عهد خلفائه، حتى قامت الأسرة الصفوية سنة 907ه/1502م وتطور الفن برعايتها تطورا أدى إلى قيام طراز فني جديد.
ومهما يكن من الأمر فقد دمر المغول في فتوحاتهم كثيرا من المدن، وهرب من طريقهم، إلى مصر وغيرها من الأقطار الإسلامية، كثير من الصناع والفنانين، ولكن كل هذه الأحداث كانت عارضة؛ فإن هولاكو وخلفاءه كانوا يشملون رجال الفن بعنايتهم، بل كانوا حين يخربون المدن يعنون بإنقاذ الفنانين وأرباب الصناعات. والواقع أنهم أصابوا قسطا وافرا من التوفيق في النهضة بالفنون والصناعات والآداب. أما تيمورلنك فقد كان الخراب يتبع جيوشه أينما حلت، وكانت قسوته مضرب الأمثال، ولا سيما أن ضحاياها في إيران والهند وآسيا الصغرى كانوا مسلمين مثله، ولكنه إن كان قد خرب دهلي وشيراز وبغداد ودمشق، فقد فعل ذلك لتجميل عاصمته سمرقند، التي كان يعمل على أن تصبح عروس الشرق في المدنية والفنون، بل إنه ذهب إلى حد اعتبار الاشتراك في بناء عمائره فرضا على مهرة البنائين في الأقاليم المختلفة من دولته؛ فكان يستقدمهم، وكانوا يأخذون على عاتقهم تحقيق مشروعاته، كما كان الأمر في نظام «الليتورجيا»
Leiturgia
أو «العمل للشعب» عند الإغريق القدماء، حين كان الأغنياء أو القادرون على عمل من الأعمال يكلفون بعمله أو بالإنفاق عليه فترة من الزمن؛ مساهمة منهم في الخدمة الاجتماعية.
والواقع أن التخريب الذي ينسب إلى غارات المغول بولغ في نتائجه بعض المبالغة؛ فقد حدث حقيقة أن كسدت صناعة البناء، وتهدمت عمائر كثيرة وهاجر الصناع والفنانون إلى آسيا الصغرى وإلى مصر كما ذكرنا، وكما يظهر من قول المؤرخ المصري تقي الدين المقريزي: «فلما خرب المشرق والعراق بهجوم عساكر التتري منذ كان جنكيز خان في أعوام بضع عشرة وستمائة إلى قتل الخليفة المستعصم ببغداد في صفر سنة 656 كثر قدوم المشارقة إلى مصر وعظمت عمارة الحسينية.»
10
ولكن ما فعله المغول وتيمور وخلفاؤه في سبيل الفن وتشجيع الفنانين، يجعلنا نغض الطرف عما حدث في حروبهم الأولى من تدمير واضطهاد.
وبعد فإن الطراز الإيراني التتري يمتاز بأنه مشبع بالأساليب الفنية الصينية التي غمرت إيران نفسها وما جاورها من البلدان التي تأثرت بفنونها، ولا سيما في العصر الفاطمي.
11
أما في العمارة فإن بناء الأضرحة المشيدة على شكل الأبراج ظل شائعا في عصر المغول كما كان في عصر السلاجقة، ويظهر ذلك جليا في الضريح المشيد في مدينة مراغة والذي ينسب لإحدى بنات هولاكو، وهو مكون من برج مزين بفسيفساء من الفخار المطلي وفوقه هرم ذو قاعدة مثمنة، ولكن الأضرحة ذات القباب زادت عظمة وفخامة؛ بازدياد مساحتها وارتفاعها وبكثرة استخدام العقود فيها، كما نرى في ضريح السلطان الجايتو خدابنده في مدينة سلطانية؛ حيث نلاحظ أن المهندس قد توصل إلى زيادة تأثير العلو والارتفاع بأعمدة بناها حول قاعدة القبة كأنها المآذن الممشوقة.
12
على أن أشهر الأضرحة التي تنسب إلى الطراز الإيراني التتري موجودة في قرافة بسمرقند دفن فيها كثيرون من أفراد الأسر التيمورية. وأبدع هذه الأضرحة على الإطلاق هو ضريح تيمورلنك نفسه «جورامير »، بني سنة 808ه/1405م، ويتكون من قاعة صليبية الشكل في مثمن تقوم فوقه أسطوانة عليها قبة مضلعة، والأسطوانة مزينة بشريط من الكتابة الكوفية بقوالب الطوب المطلي بالمينا كالطوب الذي يغطي أضلاع القبة نفسها. ولا ريب في أن مظهر هذا الضريح من الخارج ومن الداخل بما فيه من حنايا ومقرنصات، يبعث في النفس الرهبة والإعجاب، ويجعله من أروع العمائر الإسلامية على الإطلاق (انظر شكل