144 ).
وفي متحف الهرميتاج بعض خناجر إيرانية من القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي) تشهد بالثروة الزخرفية العظيمة التي امتازت بها بعض الأسلحة الثمينة في ذلك العصر، والتي تظهر في رسومها الشبيهة بالمخرمات (الدانتلا) في دقتها وجمالها.
وقد وصلنا اسم فنان من صناع هذه الخناجر هو أحمد بكلي (أو تكلي)، الذي نجد إمضاءه على خنجر في متحف طوبقابو سراي بإستانبول مؤرخ من سنة 933ه/1527م، وكان من أسلحة سليمان الأول سلطان الدولة العثمانية بين عامي 927 و974ه/1521-1566م. •••
ولا يفوتنا قبل إتمام هذا الفصل أن نشير إلى ما طرأ على التحف المعدنية الإيرانية من ضعف واضمحلال في نهاية القرن الحادي عشر وفي القرن الثاني عشر بعد الهجرة (السابع عشر والثامن عشر بعد الميلاد)؛ فقد عني القوم بإنتاج الأواني الرخيصة للأسواق وذوي الذوق العادي ممن لا يستطيعون أن يدفعوا نفقات التحف الفنية الدقيقة، والتي يقضي فيها الصناع الوقت الطويل ويبذلون الجهود المضنية.
وعلينا أن نلاحظ أيضا أن التحف المعدنية الإسلامية ظلت عصورا طويلة بدون أن يعنى بجمعها الهواة الغربيون والشرقيون عنايتهم بجمع السجاد أو الأقمشة أو المخطوطات أو الزجاج؛ ولذا كان المعروف منها لا يكاد يذكر إلى جانب ما أنتجه الصناع في العصر الإسلامي.
| الزجاج والخشب
أما صناعة الزجاج فقديمة في إيران ولا غرو؛ فإن هذه الصناعة معروفة في الشرق الأدنى منذ العصور القديمة. وقد أشار الكاتب الإغريقي أرستوفان
Aristophanes (من كتاب القرن الخامس قبل الميلاد) في إحدى رواياته إلى استعمال كئوس النبيذ من الذهب والزجاج في البلاط الإيراني، كما عثر المنقبون عن الآثار في إقليم لورستان - غربي الهضبة الإيرانية - على بعض أواني من زجاج نصف شفاف ومائل إلى اللون الأخضر، وعلى أسورة من زجاج مطعم بزجاج آخر مختلف الألوان.
ومن أقدم ما نعرفه من التحف الزجاجية الإيرانية ذات الشأن صحن من العصر الساساني وجد في شمالي إيران ومحفور فيه رسم طائر خرافي، وهو محفوظ الآن في إحدى المجموعات الأثرية الخاصة في طهران.
ومع ذلك كله فإن الأرجح أن كثيرا من الأواني الزجاجية التي استعملها الإيرانيون القدماء كانوا يستوردونه من سورية، كما يشهد بذلك نوع التحف الزجاجية التي عثر عليها في حفائر السوس والمدائن.
ولعل أقدم ما نعرفه من الأواني الزجاجية الإيرانية في العصر الإسلامي، يرجع إلى القرنين الثاني والثالث بعد الهجرة (الثامن والتاسع بعد الميلاد)، ويشبه كثيرا ما عثر عليه المنقبون عن الآثار في سامرا.
1
ومن التحف الزجاجية الإيرانية في فجر الإسلام نوع تزينه زخارف محزوزة من خطوط ودوائر وأشكال هندسية. وقد تمثل تلك الزخارف رسوم طيور أو حيوانات، كما نرى في طبق مكسور يظن أنه وجد في أطلال مدينة الري، وهو محفوظ الآن في مجموعة ولفريد بكلي
Wilfred Buckley
وقوام زخرفته رسم طائر خرافي.
2
ولكن الواقع أن تمييز التحف الزجاجية في شتى أنحاء العالم الإسلامي في القرون الأولى بعد الهجرة أمر غير يسير، بل إننا لا نجد فرقا عظيما بين بعض الأباريق الفاطمية من البلور الصخري
3
وإبريق من نفس المادة عثر عليه في إيران،
4
ومحفوظ الآن في مجموعة ولفريد بكلي سالفة الذكر.
5
وفي كنز كاتدرائية سان ماركو بمدينة البندقية سلطانية من الزجاج الأزرق الفيروزي محفور فيها كلمة «خراسان»، وقوام زخرفتها رسوم أرانب محفورة. وأكبر الظن أن هذه التحفة من صناعة إيران أو العراق في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي).
6
وقد وجدت في مدينة الري بعض نماذج أخرى من التحف الزجاجية ترجع إلى القرنين الرابع والخامس بعد الهجرة (10-11م).
ثم ازدهرت بعد ذلك صناعة الزجاج في إيران، وصارت تصنع منها التحف المختلفة الأشكال، ونجح الصناع في الوصول إلى ضرب من الزجاج الأبيض المضغوط يقلدون به البلور الصخري الذي كان يستعمل في مصر على يد الفنانين في الدولة الفاطمية. واستخدم الزجاجون الإيرانيون شتى أنواع الصناعة في الزخرفة من ضغط وحفر وبروز وأسلاك ملفوفة، وكانوا يصنعون التحف الزجاجية الصغيرة على شكل حيوان، كما يظهر من سمكة زجاجية صغيرة عثر عليها المنقبون في مدينة الري. أما موضوعات الزخرفة فكانت خليطا من الرسوم الهندسية والفروع النباتية والكتابات ورسوم الحيوان،