والملاحظ أن الفروق تزداد ظهورا بين التحف المعدنية في إيران والعراق ومصر منذ القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي).
ومما يلفت النظر في التحف الإيرانية أنها خلت من الأشعرة (الرنوك) التي كانت تزين معظم التحف التي صنعت للمماليك في مصر. والواقع أن هذه الرنوك ميزة من ميزات الطراز المملوكي في وادي النيل.
19
وقد تطورت صناعة تطبيق التحف المعدنية في نهاية القرن التاسع وبداية القرن العاشر بعد الهجرة (الخامس عشر وبداية السادس عشر بعد الميلاد)؛ فأصبحت الزخارف المفضلة هي الخطوط والرسوم الهندسية المتصلة على أرضية من فروع نباتية دقيقة. والواقع أن معظم التحف المعدنية التي وصلتنا من نهاية العصر التيموري تبدو عليها مسحة من الاضمحلال، ولكن أكبر الظن أن هذا راجع إلى فقد النماذج الطيبة من هذه التحف؛
20
فقد كانت سائر الفنون زاهرة في هذا العصر، وكان صناع الأسلحة ينتجون منها أحسن الأنواع، فغير محتمل أن يكون صناع التحف المعدنية وحدهم هم الذين طرأ على أساليبهم الفنية الضعف والاضمحلال.
وقد انتقل الأسلوب الإيراني في صناعة التطبيق إلى مدينة البندقية على يد صناع من الإيرانيين هاجروا إليها، ومنهم محمود الكردي الذي اشتغل بها في بداية القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي)، كما انتقل كذلك إلى الهند بفضل الجوار وانتقال الصناع والفنانين.
21 (4) في العصر الصفوي
والمعروف أن صناعة التحف المعدنية ظلت زاهرة في عصر الدولة الصفوية (907-1148ه؛ أي 1502-1736م)، ولكن الآثار الباقية من ذلك العصر قليلة، ويمكننا بوساطتها أن نلاحظ التطور الذي طرأ على الزخارف، وجعلها تمثل الروح التي نعرفها في سائر ميادين الطرز الإيرانية في العصر الصفوي؛ فقد غلبت على التحف المعدنية في هذا العصر رسوم الفروع النباتية والصور الآدمية والحيوانية التي تذكر بما يزين السجاجيد وصور المخطوطات. وقل استخدام الأشرطة الزخرفية، وصار سطح التحفة مغطى برسوم متصلة كأنها الوشي أو التطريز، وفيها بحور أو مناطق ذات زخارف صغيرة الحجم أو كتابة قد يكون فيها اسم الصانع.
والواقع أن التحف المعدنية في العصر الصفوي امتازت بأناقة شكلها وبأن أكثر ما نراه عليها من الكتابة يكون باللغة الفارسية من شعر أو نصوص تاريخية، كما أننا نجد أسماء الأئمة الاثني عشر على عدد كبير منها. وفضلا عن ذلك فإن النحاس الأصفر المستعمل فيها أكثر لمعانا وميلا إلى اللون الذهبي، أما النحاس الأحمر فإنه يبيض بالقصدير تقليدا للون الفضة.
وقد ظهرت أبهة العصر الصفوي في كثير من الأواني التي كانت ترصع بالذهب والأحجار النفيسة والتي لا يزال بعضها محفوظا في متحف طوبقابو سراي بإستانبول، ولعله مما غنمه السلطان سليم في حروبه مع الشاه إسماعيل الصفوي؛ مما يجعل تاريخ صناعته قبل سنة 920ه/1514م.
وكانت الأبواب والصناديق تزين بصفائح من الصلب ذات زخارف تمثل أناقة الفن ودقة الزخارف في ذلك العصر
22 (انظر شكل
147 )، والواقع أن جمال الفروع النباتية والأرابسك ظل محفوظا في التحف المعدنية الإيرانية إلى العصور الأخيرة. •••
وقد كان الفنانون الإيرانيون يصنعون التحف من الذهب والفضة؛ فيتخذون منهما الأواني والحلي، ولكن ما وصلنا في هذا الميدان قليل جدا؛ لأن التحف الذهبية والفضية كانت تصهر ويعاد تشكيلها.
على أن القسم الإسلامي من متاحف الدولة في برلين به قرطان ذهبيان فيهما زخارف محفورة ومخرمة تمثل أرنبين متواجهين وغريفونين متقابلين،
23
كما أن متحف بناكي في أثينا ومعهد الفنون في مدينة ديترويت
Detroit
وبعض المجموعات الفنية الخاصة بها بعض قطع الحلي الإيرانية من خواتم وأسورة وأقراط وما إلى ذلك، مما ينسب في معظم الأحيان إلى القرنين السادس والسابع بعد الهجرة (الثاني عشر والثالث عشر بعد الميلاد).