وقد ازدهرت في شمال غربي إيران أو في أرمينية مدرسة في إنتاج التحف المعدنية المزينة بالزخارف المحفورة والمطبقة بالنحاس والفضة، وتنسب آثار هذه المدرسة إلى القرنين السادس والسابع بعد الهجرة (الثاني عشر والثالث عشر بعد الميلاد)، وأهمها آنية ذات أضلاع وشماعد عليها تماثيل بارزة معظمها يمثل الأسد أو الصقر. ومن أبدع هذه التحف شمعدان في مجموعة المستر رالف هراري (انظر شكل
131 ).
وقد استخدمت الزخارف البارزة في بعض التحف الفنية الإسلامية، كما نرى على إبريق محفوظ في متحف الهرميتاج، ويرجع إلى القرن الثالث أو الرابع الهجري (التاسع أو العاشر الميلادي)؛ ولهذا الإبريق ثلاث أرجل تشبه الطيور في شكلها، أما هيئته العامة فتذكر بمشكاوات المساجد.
16
وقد عثر على كنز من التحف المعدنية في مدينة همذان سنة 1908، محفوظ الآن في متحف قصر جلستان بعاصمة الإمبراطورية الإيرانية.
وثمة صلة وثيقة بين هذه التحف وبين منتجات المدرسة الفنية في مدينة الموصل؛ وقد يكون السر في ذلك رحيل بعض الفنانين من الموصل إلى إيران، ويحتمل أن الصناع الإيرانيين عنوا بتقليد الآثار الفنية الموصلية تقليدا دقيقا، كما يظهر لنا في صينية من النحاس ذات زخارف محفورة ومطعمة بالذهب والفضة من القرن السابع الهجري
17 (الثالث عشر الميلادي).
ومن أبدع التحف المعدنية الإسلامية التي يمكن نسبتها إلى عصر المغول الإناء الكبير الذي يعرف باسم «معمدانة سان لوي»
Baptistére de Saint Louis
لما يقال من أن أولياء العهد في فرنسا كانوا يعمدون فيه منذ لويس التاسع (1215-1270م)، وهذه التحفة النفيسة محفوظة الآن في متحف اللوفر، وقوام زخرفتها رسوم مطبقة بالفضة بينها صور آدمية مغولية السحنة وشريطان بهما صور حيوانات متتابعة،
18
وعليها إمضاء صانعها: «محمد بن الزين»، وأكبر الظن أنها ترجع إلى نهاية القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي).
والواقع أن صناعة التحف المعدنية في إيران بلغت عصرها الذهبي في نهاية القرن السابع وفي القرن الثامن بعد الهجرة (نهاية الثالث عشر وفي القرن الرابع عشر بعد الميلاد). وحسبنا للدلالة على ذلك الأباريق الجميلة التي كانت تصنع في شمال غربي إيران، وتمتاز ببدنها المضلع الذي تغطيه الأشرطة والجامات أو المناطق ذات الرسوم الآدمية والحيوانية والكتابية على أرضية من السيقان والفروع النباتية المطبقة بالفضة والذهب. وصفوة القول أن التحف التي وصلتنا من هذا العصر تلفت النظر بما في زخارفها من أناقة واتزان، فضلا عن أننا نجد أنها لا تختلف عما سبقها من التحف الإيرانية الإسلامية في خلوها من اسم الصانع أو البلد أو صاحب التحفة، على عكس التحف المصنوعة بعد نهاية القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي).
ومن أنفس التحف المعدنية المطبقة في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) شمعدان في مجموعة المستر رالف هراري (انظر شكل
140 )، وهو مطبق بالذهب والفضة، وله هيئة الشماعد التي امتاز بها العالم الإسلامي منذ القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي): قاعدة أسطوانية فوقها رقبة صغيرة أسطوانية أيضا، وزخارف هذا الشمعدان دوائر وجامات ذات أربعة فصوص، ورسومها إما هندسية أو زهور محورة عن الطبيعة، وعليه كتابة تدل على أنه صنع سنة 761ه/1360م على يد صانع شيرازي اسمه محمد بن رفيع الدين.
ومنها كذلك طست من النحاس نجمي الشكل وذو زخارف محفورة ومطعمة بالفضة والذهب من القرن السابع أو الثامن الهجري (الثالث عشر أو الرابع عشر الميلادي). وهذه التحفة محفوظة في المتحف المتروبوليتان بنيويورك (انظر شكل
141 )، وقوام الزخرفة فيها وريدة في وسطها تمتد منها خطوط إلى الحافة، فتكون مناطق مملوءة بالرسوم الآدمية والفروع النباتية والزهور.