تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1 ...

والواقع أن التحف المعدنية الساسانية عليها مسحة من القوة والعظمة، قل أن توجد في تحف معدنية أخرى. وخير دليل على ذلك ما وصل إلينا من الصواني والأطباق الذهبية والفضية ذات الزخارف البارزة، وأكثر هذه التحف عثر عليها في جنوبي الروسيا وشمالي إيران، وهي محفوظة الآن في متحف الأرميتاج بمدينة لينينغراد. (1) في فجر الإسلام

وطبيعي أن صانع التحف المعدنية في الإسلام لم يقبل على عمل التماثيل على النحو الذي نعرفه في الفنون الغربية؛ حيث ورث الفنانون الأساليب الفنية الإغريقية والرومانية، وظل الجسم الإنساني عندهم أروع آيات التعبير الفني وأعظمها على الإطلاق.

2

ولدينا صنفان من التحف المعدنية يمكننا اعتبارها حلقة الاتصال بين الطراز الساساني والطرز الإسلامية في إيران؛ فإن بعض التحف من هذين الصنفين يرجع إلى العصر الساساني في القرنين الخامس والسادس بعد الميلاد، وبعضها يرجع إلى بداية العصر الإسلامي أو القرنين السابع والثامن (الأول والثاني للهجرة). هذان الصنفان هما مجموعة من الأباريق البرونزية ومجموعة من تحف معدنية على شكل حيوان أو طائر.

أما الأباريق فذات أشكال مختلفة ولها في أكثر الأحيان مقبض طويل وصنبور ممتد، وقد تزين برسوم حيوانية أو آدمية في مناطق محدودة، ولكن الغالب فيها قبل الإسلام بساطة الزخرفة. على أن ما صنع منها في العصر الإسلامي ظل محتفظا بالأساليب الفنية الساسانية إلى حد كبير، ولم يدخل عليه إلا شيء يسير من الأناقة ودقة الشكل، كما أن الصنبور أصبح في أغلب الأحيان على بدن الإبريق وليس في فوهته، بل إننا نجد الصنبور في بعض القطع على شكل طائر أو حيوان. وفضلا عن ذلك فإن الزخارف في الأباريق الإسلامية أدق وأصغر حجما وأظرف منظرا.

وفي دار الآثار العربية بالقاهرة إبريق بديع من البرونز كشف أثناء التنقيب عن الآثار بمدينة أبي صير في مصر الوسطى؛ حيث قتل مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، وبدن هذا الإبريق كروي ومزين بنقوش تمثل عقودا في باطنها دوائر، وتحت الدوائر رسوم حيوانات وطيور، ورقبة الإبريق مستقيمة ومزينة بدوائر متماسة وبزخارف نباتية مخرمة،

3

والصنبور على شكل ديك كبير مبسوط الجناحين ومشدود الجسم، وهذا الإبريق بديع الشكل وجميل بزخارفه المحفورة والمخرمة؛ مما حمل علماء الآثار الإسلامية على اعتباره تحفة ملكية، وعلى نسبته إلى الخليفة مروان الثاني الذي لقي حتفه في نفس المكان الذي عثر فيه المنقبون على هذا الإبريق.

أما التحف المعدنية المصنوعة على شكل حيوان أو طائر فقد كانت ساسانية الروح، وإن نسب أكثرها إلى بداية العصر الإسلامي،

4

وهي مباخر أو آنية للماء على شكل بطة أو ديك أو غزال أو حصان أو أسد (انظر شكل

125 ).

ولعل أبدعها بطتان من مجموعة بوبرنسكي في متحف الأرميتاج بلينينغراد، إحداهما من العصر الساساني والأخرى من فجر الإسلام، وتمتاز الأولى بأنها ملساء بينما سطح الثانية مملوء بالخطوط والثنايا والأجزاء البارزة أو المنخفضة. وثمة تحفة أخرى من هذا الصنف كانت محفوظة في مجموعة إندجودجيان

Indjoudjian ، وهي على شكل ببغاء،

5

زخارفها تشبه الرسوم التي عرفناها على خزف «جبري»؛ مما يحملنا على نسبة هذه التحفة إلى القرن الرابع أو الخامس الهجري (العاشر أو الحادي عشر الميلادي).

وتذكرنا هذه المباخر

6

أو الأواني المجسمة بالأواني النحاسية والبرونزية التي صنعها الفاطميون على شكل الحيوان والطير، كما تذكرنا بالآنية التي نقلها الأوروبيون عن الشرق في العصور الوسطى، وكانوا يصنعونها من النحاس الأصفر على شكل فارس أو حيوان أو طائر ليستخدمها رجال الدين في الطقوس الكنسية، وكانت تسمى «أكوامانيل».

7

وفضلا عن ذلك فقد استعملت أشكال الحيوانات المجسمة - بعد ذلك - في ضرب من التحف، الشماعد والأباريق ينسب إلى القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، وقد تكون بعض هذه القطع أقدم من ذلك؛ لما نراه فيها من قرب العهد بالروح الساسانية في الشكل والزخرفة.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي · الصفحة ٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلاميص ٨٠