ومن التحف المعدنية التي تنسب إلى إيران والعراق في القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) مرايا من البرونز تشبه المرايا الصينية، وعليها زخارف بارزة تمثل فرعا نباتيا يحف به من الجانبين رسم أبي الهول، وحول هذه المجموعة شريط دائر من الكتابة الكوفية، أو عليها رسوم آدمية وحيوانية أخرى تبدو فيها مهارة الفنان في إعداد الزخرفة لشغل المساحة الدائرية.
وكان جل هذه المرايا من البرونز أو الصلب، ولبعضها مقبض وللبعض الآخر حلقة تتصل بجزء بارز في وسط السطح ذي الزخرفة (انظر شكل
130 ).
كما أن الفنانين الإيرانيين في ذلك العصر صنعوا مباخر مختلفة الشكل بعضها ذو زخارف مخرمة وفي بعضها أشكال حيوانات صغيرة،
8
وصنعوا كذلك المسارج والهواوين
9
والسلطانيات ذات الأشكال الأنيقة.
والواقع أن جل ما نعرفه من التحف المعدنية الإيرانية بين القرنين الثالث والسادس بعد الهجرة (التاسع والثاني عشر بعد الميلاد) عثر عليه في خراسان وهمذان والري وسمرقند، وزخارفه من رسوم الحيوان
10
والفروع النباتية والكتابة الكوفية، وكلها محفورة بدقة تناسب جمال الشكل. على أن ما يعلوها من الصدأ في الوقت الحاضر يمنع ظهور التباين بين الزخارف والمساحات التي لا رسم فيها.
ولكن ثمة بعض تحف لا يزال لها جمالها الأول، ومنها عدد من الصواني في كل منها موضوع زخرفي يتوسط قاع الصينية، وتحيط به موضوعات أخرى محفورة على هيئة دوائر ذوات مركز واحد (انظر شكل
129 ). (2) في عصر السلاجقة
كان للتحف المعدنية في عصر السلاجقة القوة والجلال اللذان امتازت بهما الصناعة الساسانية، واللذان كانا يناسبان طبيعة السلاجقة أنفسهم، كما كان لها في بعض النواحي الأخرى دقة وظرف يناسبان اعتناقهم الدين الإسلامي وغرامهم الجديد بالأدب والفن الإيرانيين؛ فقد خلف لنا هذا العصر بعض الأواني البرونزية ذات المظهر القوي، وإلى جانبها تحف من الفضة والذهب تلفت النظر بثروتها الزخرفية ورسومها الدقيقة المطعمة أو المفرغة في سطح الإناء. وفي المتاحف والمجموعات الأثرية الخاصة - ولا سيما مجموعة المستر رالف هراري - تحف كثيرة من هذا النوع، وتشمل عددا كبيرا من الكئوس واللعب الصغيرة والمباخر والأباريق والملاعق والأجزاء المعدنية من عدة الفرس، وعليها زخارف دقيقة من رسوم الحيوانات والطيور التي ألفناها في فنون إيران، فضلا عن الكتابات الكوفية الأنيقة وبعض الرسوم الآدمية.
واستخدم الفنانون شتى الأساليب الصناعية في عمل هذه الزخارف؛ فكان بعضها محفورا وبعضها مفرغا وبعضها وثيق الصلة بأسلوب «النيلو»، وهو أن يحفر الرسم على اللوحة من الفضة، أو الفضة الممزوجة بالذهب، ثم يصب في خطوطه المحزوزة مركب مرتفع الحرارة من النحاس والرصاص والبودق والكبريت وملح النشادر، وبعد برود هذا المركب وتلميع اللوحة يصير فيها تطعيم، أو «تكفيت» أسود على أرضية فاتحة، ويزداد بذلك الرسم دقة ووضوحا. وفضلا عن ذلك كله فقد كان في بعض تلك القطع زخارف بارزة وأخرى مذهبة أو بالمينا. •••
ولكن أسلوبا جديدا في زخرفة التحف المعدنية نشأ على يد الصناع المسلمين في بلاد الجزيرة وفي إيران، ثم بلغ غاية الدقة والإتقان في منتصف القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، وهو تطبيق البرونز والنحاس أو تنزيلهما (تكفيتهما) بالفضة والذهب. والمعروف أن التطبيق أو الترصيع أو التركيب أو «التكفيت» طريقة في الزخرفة قوامها حفر رسوم على سطح معدن أو خشب، ثم ملء الشقوق التي تؤلف هذه الرسوم بقطع أخرى من مادة أغلى قيمة.
وإذا تذكرنا أن الصناع كانوا ينتقلون من بلد إلى آخر، وأن إيران وبلاد الجزيرة كانتا في معظم الأحيان في يد أسرة مالكة واحدة؛ أدركنا صعوبة تمييز التحف المعدنية المطبقة بالفضة والذهب في إيران من التحف التي صنعت في الموصل، اللهم إلا إذا دلت كتابة تاريخية في التحفة على محل صناعتها، وهذا نادر. أما الزخارف المطبقة أو المكفتة في هذه التحف فقوامها أشرطة من رسوم دقيقة فيها حيوانات، وفيها كتابات باللغة العربية وفيها صور آدمية لأشخاص قصيري القامة ذوي عمائم وملابس عربية وأحزمة في وسطهم. وقد يكون في الأشرطة جامات بها مناظر صيد أو طرب أو فروسية.