تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وزادت ثروة إيران في عصر الشاه عباس وعظم الإقبال على المنسوجات الفاخرة؛ فزادت المنتجات زيادة أثرت بعض الشيء على جودة النوع وجمال الرسم، اللهم إلا فيما كان يصنع للبلاط ورجالات الدولة. وكان أهم أنواع الزخارف في نهاية القرن العاشر الهجري (السادس العشر الميلادي) وبداية القرن الحادي عشر رسوم أشخاص ذوي قدود هيفاء وأوضاع فيها كثير من التكلف، وفتيات أو فتيان يكاد المرء يحسبهن نساء، وما إلى ذلك من الصور التي عرفناها في أسلوب المصور رضا عباسي. والواقع أن تأثير هذا المصور وذيوع صور فتيانه وفتياته لم يكن في الصور المستقلة والمخطوطات والمنسوجات فحسب، بل كان في صور الجدران وفي لوحات القاشاني.

على أن أقمشة هذا العصر لا تبلغ في جودتها أقمشة العصور السابقة، فضلا عن أن الفنانين لم يأتوا بجديد في زخارفها وإنما نسجوا على منوال ما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم، ولكنهم عادوا إلى الولع برسوم الزهور والنبات؛ فاتخذوها لزخرفة عدد كبير من منسوجات القرنين الحادي عشر والثاني عشر بعد الهجرة (السابع عشر والثامن عشر بعد الميلاد) وأصابوا فيها توفيقا كبيرا. وشجعهم في هذا السبيل تجار البضائع الصينية الذين كانوا ينزلون مدينة أردبيل، والخزفيون الصينيون الذين كانوا ينزلون شتى المدن الإيرانية.

وقد وصلتنا أسماء بعض النساجين في القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي)، وهم محمد خان وعلي وإسماعيل قاشاني ومعين، وكلهم من مدينة قاشان،

32

ثم مغيث وآقا محمود، وهم من أهل أصفهان،

33

كما نبغ في هذه المدينة المصور شفيع عباسي الذي اشتهر بإتقانه رسوم الزهور والطيور، والذي كان مصور البلاط في عصر الشاه عباس الثاني.

ومما أنتجته مصانع النسج الإيرانية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر بعد الهجرة (السابع عشر والثامن عشر بعد الميلاد) أحزمة حريرية طويلة، قوام زخارفها أشرطة أفقية، وتنتهي في طرفيها بمنطقة أوسع مساحة وفيها جامات وزخارف نباتية (انظر شكل

119 ). ويمتاز هذا النوع من الأحزمة بأن النساجين في جنوب شرقي بولندة

34

أقبلوا على تقليده في القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي)، بعد أن استورد بعض التجار الأرمن كميات كبيرة من الأحزمة الحريرية الإيرانية، وأينعت تجارتها حتى اضطروا إلى نسج مثلها في بولندة نفسها، واستخدموا زخارفها المكونة من الأشرطة والرسوم الهندسية ورسوم الزهور، ولم تلبث منتجات الصناعة المحلية أن طغت على الأحزمة الشرقية الواردة من إيران أو إستانبول.

ومما اشتهرت بإنتاجه مدينة يزد نوع من المخمل القرمزي الغامق، كان يتخذ في البيوت محاريب أو سجاجيد للصلاة، وكان قوام زخارفه عددا قليلا من الزهور الكبيرة ذات السيقان الطويلة وذات اللون الأصفر الذهبي، ومعها بعض وريقات خضراء.

وفي متحف فكتوريا وألبرت بلندن قطعة نسيج من صناعة يزد، قوام زخرفتها مراوح نخيلية وفروع نباتية مزهرة، وبينها رسم صلب السيد المسيح، وعلى جانبي الصليب العذراء والقديس يوحنا. ويقال إنها إحدى قطعتين أحضرهما سفير الشاه عباس إلى دوج البندقية سنة 1600 (انظر شكل

117 ).

أما أصفهان عاصمة الدولة في عصر الشاه عباس فقد كان فيها ألوف النساجين، لا ينقطعون عن العمل لإنتاج الكميات الهائلة من الخلع الثمينة التي كانت لازمة للبلاط، أو للهدايا التي يقدمها الشاه. كما أفادت باعتبارها عاصمة البلاد من وجود أعلام المصورين والرسامين الذين كانوا خير عون ومثال للفنانين في صناعة النسج. ولا ريب في أن أصفهان أنتجت شتى أنواع المنسوجات النفيسة، ولكن الظاهر أن النساجين فيها أتقنوا بنوع خاص صناعة الأقمشة ذات الزخارف النباتية الجميلة.

وكذلك مدينة قاشان لم يعد إنتاجها الفني موجها إلى الخزف فحسب، بل أصبحت مركزا عظيما للنسج منذ القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي)، ولكن المخمل الذي كان ينسج في أنوالها إبان القرن الحادي عشر الهجري بلغ كمية هائلة أثرت في جودة الصناعة إلى حد ما.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلاميص ٧٨