وقد وصلت إلينا أسماء بعض النساجين الإيرانيين في القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) وهم غياث وعبد الله وحسين ويحيى ومعز الدين بن غياث وإيان محمد؛ وذلك على بعض القطع المنسوبة إليهم، والمحفوظة الآن في المتاحف والمجموعات الأثرية بأوروبا وأمريكا.
أما غياث الدين علي فقد كان من أهل يزد،
28
نشأ في أسرة لها بالفن صلة وثيقة؛ فقد كان جده كمال الدين خطاطا مشهورا، وكان لغياث مال وافر ساعده على أن يصبح من بطانة الشاه عباس، ثم ذاع صيته في صناعة المنسوجات المصورة، وكان الشاه يرسل من منتجاته الهدايا إلى الملوك والأمراء. على أننا لا نعرف اليوم إلا ثماني قطع من صناعة هذا الفنان بينها تحفتان من الحرير وتحفتان من «القطيفة». وثمة قطع أخرى ليس عليها اسمه؛ ولكن الأرجح أنها من صناعته.
29
وعلى كل حال فإن رسوم غياث يظهر فيها الأسلوب الفني الذي ينسب إلى رضا عباسي، كما نرى فيها إتقان بعض الموضوعات الزخرفية النباتية كالوريدات والأرابسك وزهرة اللوتس وأوراق العنب والمراوح النخيلية.
ولكن عبد الله لم تكن له مهارة غياث الدين أو شهرته، والقطع الأربع التي عليها اسمه لا تشهد بأنه كان فنانا من الطراز الأول، فضلا عن أنه لم يكن مبدعا، وإنما سار على الأساليب الفنية التي اتبعها النساجون في تبريز من قبله.
بينما لا نعرف عن حسين إلا ما نراه على قطعة صغيرة من الحرير في المتحف المتروبوليتان بمدينة نيويورك موجود فيها: «عمل حسين سنة 1008».
30
وطبيعي أن أسلوب رضا عباسي في تصوير الأشخاص في مواقف يبدو منها الكسل والتخاذل والتخنث، كان له أثر كبير في رسوم الأقمشة الثمينة في القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي).
31
ويجدر بنا ألا ننسى ما كانت عليه زخارف المنسوجات التي نحن بصددها من اختلاف وتنوع في حجم الزخارف وفي المظهر العام وفي الألوان المستخدمة. وقد كان الإنشاء الزخرفي فيها بديعا ومحكما بحيث تتدرج رسومها المختلفة، ويستطيع المشاهد أن يرى بدائع أقسامها المختلفة بحسب قرب التحفة أو بعدها عنه، فإنه يعجب بالزخارف الدقيقة إذا كانت التحفة قريبة منه، ويعجب بالمناطق التي تضم هذه الزخارف إذا بعد عن التحفة قليلا، ويؤخذ بجمال المظهر العام إذا زاد بعده عن التحفة فغابت عنه التفاصيل. وخير مثال على هذا قطعة ديباج مشهورة كشفت سنة 1929، وتمتاز بألوانها البديعة ورسمها الدقيق وسطحها المقسم إلى عدد من المناطق، بعضها مكونة من نجوم مثمنة وذات فصوص، وبعضها مثمنة لا فصوص لها، وفي النجمة المتوسطة أمير على عرش، بينما تحتوي النجوم الأخرى على رسوم ملائكة تعزف على آلات موسيقية أو تحمل التحف والهدايا . أما المناطق الصغيرة ففيها رسوم حيوانات عديدة حقيقية وخرافية. وثمة مناطق أصغر حجما وفيها رسوم زهاء تسعين نوعا من الطيور المختلفة المرسومة بأسلوب طبيعي دقيق وفي أوضاع متنوعة.
ولم تكن المنسوجات الإيرانية في العصر الصفوي ذات زخارف آدمية فحسب، بل كان بعضها مزينا برسوم نباتية بحتة، كما يظهر من رسوم الملابس في كثير من صور المخطوطات التي ترجع إلى القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي).
على أن أبدع ما أنتجه النساجون الإيرانيون هو المخمل (القطيفة) ذو الرسوم القوية والألوان البديعة الفنية. وقد اشتهرت بإنتاجه مدينة قاشان في نهاية القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر بعد الهجرة (نهاية السادس عشر وبداية السابع عشر الميلادي)، وامتاز بإبداع ألوانه، وبرسومه التي تشبه إلى حد كبير رسوم الصور في المخطوطات.
ولما تولى الشاه عباس الأكبر (985-1038ه؛ أي 1587-1628م)، وكان كما نعرف من أكبر رعاة الفن والفنانين في إيران، شمل برعايته إنتاج الديباج والمخمل الثمين، وأنشأ المصانع لنسجهما في شتى البلاد ولا سيما في أصفهان. وامتازت المنتجات المنسوجة في عصر الشاه عباس باستخدام الألوان الهادئة ورسم الأشخاص رسما أقرب إلى الطبيعة.