تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

25

فضلا عن دقة الرسوم وتقليد الطبيعة تقليدا صادقا بفضل التأثر بالصينيين في هذا الميدان.

وعلى كل حال فإن نسج الحرير بلغ عصره الذهبي في القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) برعاية ملوك الأسرة الصفوية، وأنتجت المصانع الإيرانية في ذلك العصر أجمل أنواع الديباج والمخمل المنسوجة بخيوط حريرية مختلفة الألوان ومحلاة في بعض الأحيان بخيوط فضية.

أما زخارفها فمن قصص الشاهنامه أو منظومات الشعراء الإيرانيين المعروفين، أو مناظر تمثل الأمراء والنبلاء في الصيد، فضلا عن مناظر الحفلات في الحدائق والهواء الطلق. ومن الزهور التي استخدمت كثيرا في زخرفة المنسوجات الإيرانية في القرنين العاشر والحادي عشر بعد الهجرة (السادس عشر والسابع عشر بعد الميلاد) السوسن والزنبق والخزام والورد. أما الحيوانات والطيور فقد استخدم النساجون منها رسوم الوحوش الضارية والأرنب والغزال والببغاء، كما استخدموا رسم شجر مخروطي الشكل. وكانت كل هذه الموضوعات المختلفة ورسوم المناظر الطبيعية مضافة إلى رسم شتى المناظر من قصة خسرو وشيرين أو ليلى والمجنون. كان كل ذلك يرتب في صفوف أفقية، ويكسب المنسوجات الصفوية بهجة ونضارة تزيدان من قيمتها الفنية.

وطبيعي أن ملابس القوم في هذه الرسوم ولا سيما لباس الرأس تساعد على معرفة التاريخ الذي ترجع إليه، وتجعلها شديدة الشبه بالصور المنسوبة إلى المصور المشهور سلطان محمد.

وكانت أعظم مراكز النسج في هذا العصر تبريز وهراة ويزد وأصفهان وقاشان ورشت ومشهد وقم وساوه وسلطانية وأردستان وشروان، وامتازت منتجاتها بنعومة السطح وبدقة النسج وباتزان الألوان وجمالها.

أما رشت فقد صنعت فيها أقدم قطعة نعرفها من الحرير الصفوي، عليها تاريخ صناعتها. وهي غطاء قبر في الضريح بمدينة مشهد، وعليها أنها من عمل مير نظام في رشت سنة 952ه/1545م، وزخارفها من أشرطة فيها رسوم فروع نباتية ووريدات وكتابات.

بينما اشتهرت تبريز ويزد بنسج الأقمشة ذات الزخارف الآدمية التي كان يقوم برسمها أعلام المصورين في العصر الصفوي ومن ينسج على منوالهم من الفنانين، وفي المتاحف والمجموعات الأثرية الخاصة قطع نسيج صفوية، بعضها شديد الشبه بأسلوب المصور سلطان محمد. وأبدع المعروف من هذا النوع قطعة في متحف فكتوريا وألبرت، عليها رسم فارس فوق أرضية من زهور وأوراق شجر،

26

وتشبه بعض قطع أخرى أسلوب المصور مير نقاش الذي يظن أنه خلف سلطان محمد في رئاسة مجمع الفنون الملكي. ومنها جانبا خمار من الديباج محفوظ في متحف الفنون الزخرفية بباريس، وقوام زخرفتهما رسم ساق بين فروع نباتية دقيقة،

27

وثمة قطع تذكرنا بأسلوب المصور محمدي، وقد جئنا برسم إحداها في لوحات هذا الكتاب (انظر شكل

113 )، وهي محفوظة في متحف تاولوف

Thaulow

في مدينة كيل

Kiel ، وقوام زخرفتها رسم جندي ذي خوذة يقود أسيرا ويتحدث إلى شخص جالس، بينما يقف أمام الأسير شخص آخر، ويقوم المنظر كله فوق أرضية من نبات وأشجار ذات جذوع رفيعة ويعلو كل منها رسم طاووس، أما تحتها فرسم بركة فيها سمكات.

وقد لوحظ أن هذه الرسوم الآدمية والنباتية الأنيقة لا توجد على منسوجات فاخرة من الحرير ذي الخيوط الفضية فحسب، بل نرى رسوما من فصيلتها على أقمشة تقل في جودة النوع والصناعة؛ ويفسرون ذلك بأن مدينة تبريز أصبحت هدفا لغارات الترك منذ سنة 993ه/1585م؛ فنقل الشاه مقر حكمه إلى قزوين، ولكن هذه المدينة الأخيرة لم يقدر لها أن تصبح مركزا فنيا زاهرا كما كانت تبريز من قبلها.

ولا ريب في أن تعاون المصورين والنساجين في يزد وقاشان أسفر عن صنع قطع تعد آية في فن النسج والزخرفة. والظاهر أن مصانع النسج في يزد كانت تحت رعاية الحكومة وإشرافها.

وفي دار الآثار العربية بالقاهرة نماذج طيبة من هذه المنسوجات ذات الصور الآدمية.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلاميص ٧٦