وأكبر الظن أن نشاط الخزفيين في قاشان لم يكن وقفا على المحاريب والتربيعات القاشانية، بل لقد أنتجوا ضروبا طيبة جدا من الأواني والتحف ذوات البريق المعدني، استعملوا فيها معظم الرسوم التي عرفناها في زخارف المحاريب والتربيعات، حتى ليمكننا في بعض الأحيان أن ننسب بعض هذه التحف أو الأواني إلى الفنانين الذين جاءت أسماؤهم على بعض المحاريب والتربيعات.
ولعل أبدع الأواني المصنوعة في قاشان سلطانية في مجموعة هافماير
Havemayer ، مؤرخة من سنة 607ه/1210م، وفيها رسم أمير جالس بين نساء من حاشيته.
63
ولا ريب في أن صانع هذه التحفة فنان من الطراز الأول، كما يتجلى في اتزان الزخرفة وفي تمييزه سحنة الأمير تمييزا يكاد يجعل رسمه صورة شخصية.
وقد يكون هذا الفنان نفسه أو أحد تلاميذه صانع الصحن المشهور في مجموعة يومورفو بولوس
Eumorfopoulos (انظر شكل
87 ). وقوام الزخرفة في هذه التحفة رسم خسرو يفجأ شيرين تستحم؛ فنراها في مجرى ماء جلس أمامه خسرو مأخوذا بمنظر الغانية في الماء، وفي حافة الإناء كتابة بالخط النسخي قد محى الزمن بعضها، كما أعيدت كتابة بعض كلمات فيها، وقد قرأ الأستاذ فييت هذه الكتابة كما يأتي:
64 [ا]لسعادة والسلامة والكرامة والنعمة ... الأمير اسفهسلار الكبير العالم العادل المؤيد المظفر المجاهد نصرة الإسلام والمسلمين ... الملوك والسلاطين سيد الأ[مراء] [اسفه]سلار الكبير العالم العادل المؤيد المظفر المنصور ... [ح]سام أمير المؤمنين أعز الله أنصاره وضاعف اقتداره، صنعه السيد شمس الدين الحسيني في شهر جمادى الآخر سنة سبع وستمائة ه[جرية].
وصفوة القول أن قاشان كانت مركزا عظيما جدا من مراكز الصناعة الخزفية، وأن شهرة مصانعها ذاعت في بلاد الشرق الإسلامي قاطبة بين القرنين السادس والثامن بعد الهجرة (الثاني عشر والرابع عشر بعد الميلاد)؛ بل إنها لم تفقد هذه المكانة في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي)، وحسبنا دليلا على ذلك التربيعة القاشانية المحفوظة في المتحف المتروبوليتان والمؤرخة من سنة 860ه/1455م، والتي لم تفقد ما نعرفه من منتجات قاشان من دقة الصنعة وجمال الزخرفة.
ويمتاز الخزف ذو البريق المعدني من صناعة قاشان بأن معظم موضوعاته الزخرفية كانت توضيحية، وبأن الفنان لا يخص صورة شخص بقسط أوفر من عنايته، بل يوزعها على كل أجزاء الرسم، على عكس ما نعرفه في الخزف المصنوع بمدينة الري. كما عني الفنان برسم الفروع النباتية المتصلة (الأرابسك) رسما دقيقا يغطي معظم الأرضية، وأكثروا من رسم البركة ذات السمك. وبين موضوعاتهم الزخرفية النباتية رسم وريقات شجر فيها صفوف منحنية من نقط متجاورة، ورسم وريقات أخرى ذات خمسة فصوص ورسم شجرة السرو، التي نرى عليها في معظم الأحيان صورة الطائر المعروف باسم «أبو قردان». أما الطيور التي أقبلوا على رسمها في زخارفهم فأهمها أبو قردان هذا ثم البطة والقنبرة والحمامة.
وقد عرف الخزفيون في قاشان صناعة التحف المصنوعة من عجينة ملونة، والمغطاة بدهان فوقه الزخارف بالألوان المختلفة. وقد كان هذا الضرب من الخزف (مينايي) ينسب إلى مدينة الري دائما، حتى عثر على بعض قطع جميلة منه في أرض قاشان، ثم كشف مخطوط إستانبول.
65
والحق أن قصب السبق في إنتاجه كان لمدينة الري دائما، وأن الخزفيين في قاشان لم يتقنوه تماما ولم يثابروا على إنتاجه مدة طويلة، ومع ذلك فقد وصلتنا بعض تحف جميلة منه يرجح أنها من صناعة قاشان. ومنها سلطانية في مجموعة ليهمان
Ph. Lehmann ، عليها نقوش فوق الدهان وفيها تذهيب، وقوام زخرفتها رسم شخصين بينهما شجرة وحولهما فرعان نباتيان ورسم طيور صغيرة (انظر شكل
92 ).
وفي دار الآثار العربية بالقاهرة تربيعتان من القاشاني المموه بالمينا، أرضيتهما زرقاء فيروزية اللون وعليهما زخارف من فروع نباتية مزهرة ومذهبة وقليلة البروز، وعلى إحداهما رسم فارسين يحث كل منهما مطيته على العدو إلى الجهة اليسرى، بينما نرى على الأخرى رسم بهرام جور وحبيبته في الصيد، فوق جمل ذي لون أحمر مائل إلى السمرة، وفي يد الملك قوس يشده، أما حبيبته الراكبة خلفه فتعزف على عود،