تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن ضربا جديدا من التحف الخزفية قدر له أن يصبح فخرا لمدينة الري في تاريخ الفنون الإسلامية، ونقصد بذلك الخزف المصنوع من عجينة ملونة ومغطاة بطلاء قصديري معتم، ترسم فوقه الزخارف بالألوان المختلفة من أزرق وأسود وأخضر وأسمر وأحمر. ويتجلى في هذه الزخارف التأثر العظيم بفن التصوير في المخطوطات من منتجات المدرسة السلجوقية.

50

وكان التذهيب في بعض الأحيان يزيدها حسنا وبهاء.

ومعظم التحف الخزفية المصنوعة من هذا النوع أكواب وأباريق وصحون غير عميقة وسلطانيات مستديرة الجسم أو ذات أضلاع. ومن الأواني التي كثر استخدامها في ذلك الوقت قنينة جسمها بيضي الشكل بين قاعدة صغيرة ورقبة دقيقة تنتهي بأسطوانة سميكة قبل الفوهة (انظر شكل

94 ).

أما زخارف هذه التحف فتكثر فيها رسوم أمراء وأميرات بين رجال الحاشية ونسائها، أو رسوم صيد وقتال وطرب وفروسية. وقد أصاب الفنانون في هذه الزخارف حظا وافرا من التوفيق، كما يظهر مثلا في قنينة محفوظة في مجموعة باريش وطسن

Parish Watson (انظر شكل

94 )، وفي إناء من مجموعة الدكتور علي باشا إبراهيم (انظر شكل

95 )، وكأس في متحف اللوفر بباريس،

51

وفي سلطانية من مجموعة دافيد

David (انظر شكل

91 )، وتمتاز الأخيرة بأن قوام زخرفتها فروع نباتية يحف بها رسم طائرين ورسم حيوانين خرافيين، لكل منهما جناحان ورأس سيدة.

وقد وصلت إلينا أسماء ثلاثة فنانين من الذين عملوا في إنتاج هذا الخزف، وهم: علي بن يوسف، وقد جاء اسمه على سلطانية في معرض فرير

Freer Gallery .

52

والثاني أبو طاهر حسين، وقد جاء اسمه على سلطانية في دار الآثار العربية،

53

وعمله أقل جودة من عمل زميله علي بن يوسف. أما الفنان الثالث فاسمه حسين، وقد جاء هذا الاسم على سلطانية في مجموعة بارلو

J. A. Barlow .

54

ومهما يكن من الأمر فإن هذا الخزف ذا الزخارف المنقوشة فوق الدهان - والذي يعرف باسم مينايي - قد صنع بمدينة الري في النصف الثاني من القرن السادس وفي القرن السابع الهجري (في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، وفي القرن الثالث عشر بعد الميلاد)، وقد عثر على أجمل القطع المعروفة منه في أطلال تلك المدينة، كما عثر في أطلالها أيضا على التحفة الوحيدة المؤرخة من هذا الخزف، وهي السلطانية المحفوظة في المتحف البريطاني، والتي ترجع إلى سنة 640ه/1242م،

55

وقد كانت سابقا في مجموعة فرنون ويذرد

Vernon Wethered . (1-12) خزف مدينة قاشان

لا ريب في أن قاشان تستحق في تاريخ الخزف الإيراني مكانة تفوق ما ظنه مؤرخو الفنون الإسلامية في السنين الأخيرة. والواقع أن ما نعرفه عن هذه المدينة أقل بكثير مما نعرفه عن سائر المدن الإيرانية الكبيرة مثل تبريز وهراة والري، ولكن حسبنا - لبيان ما كان لها من عظيم الشأن في تاريخ الفنون الإيرانية - أن كلمة «قاشاني» تستعمل للدلالة على بعض أنواع الخزف حتى اليوم، بعد أن كانت في العصور الوسطى تطلق على الخزف المصنوع في تلك المدينة، كما يظهر من قول ياقوت في معجم البلدان:

قاشان مدينة قرب أصبهان تذكر مع قم، ومنها تجلب الغضائر القاشاني، والعامة تقول: القاشي.

وفضلا عن ذلك فقد ازدهر فيها فن تحسين الخط وصناعة التحف المعدنية، وقد عثر في أطلال قاشان على كميات وافرة من شتى أنواع الخزف، كما عثر فيها على بعض الأفران وعلى نحو ثلاثين قطعة تالفة أثناء حرقها في الفرن؛ مما يدل على أنها صنعت في قاشان ولم تصدر إليها من مراكز صناعية أخرى. كما أن الجغرافيين والرحالة في العصور الوسطى لاحظوا استعمال الخزف المصنوع بمدينة قاشان في كثير من العمائر الجميلة في شتى أنحاء العالم الإسلامي.

وقد جاء كشف المخطوط الذي وجد في إستانبول مؤيدا لما نعلمه عن قاشان في صناعة الخزف؛ فإن مؤلفه أبا القاسم عبد الله بن علي بن محمد بن أبي طاهر أخصائي في هذه الصناعة، كتبه في قاشان سنة 700ه/1300م، ووصف فيه بعض العمليات الفنية في عمل الخزف، وتحدث عن مصادر بعض المواد المستعملة فيه؛ ولا غرو فقد كان من أسرة ذاعت شهرة أفرادها في هذا الميدان، ولا تزال أسماء أخيه يوسف بن علي بن محمد وأبيه علي بن محمد وجده محمد بن أبي طاهر بن أبي حسن باقية على بعض الآثار الفنية الخزفية المعروفة

الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي · الصفحة ٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلاميص ٦٤