تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد استعمل الخزفيون في الري عددا وافرا من الزخارف الهندسية والنباتية، ورسموا معظم الحيوانات التي عرفوها في ذلك الوقت، ولا سيما الأرنب وكلب الصيد، كما اتخذوا بعض الزخارف من مناظر الرقص والطرب والموسيقى والصيد ولعب الصوالجة (البولو) والحفلات الرسمية، بل لقد رسم أحدهم صورة طبيب يفصد سيدة أنيقة، وذلك في قاع سلطانية محفوظة في القسم الإسلامي من متاحف برلين.

43

وتمتاز التحف الخزفية البديعة ذوات البريق المعدني من صناعة الري بوضوح رسمها وصفائه وبإبداع تأليف زخارفها، كما يتجلى مثلا في الصحن المحفوظ في مجموعة برانجوين بمتحف فكتوريا وألبرت، وهو يرجع إلى القرن الخامس أو السادس بعد الهجرة (الحادي عشر أو الثاني عشر بعد الميلاد)، وقوام زخرفته رسم فارس جليل المنظر فوق حصان من الجياد الكريمة (انظر شكل

78 ).

ويظهر توفيق الفنان في تصوير الحركة على إبريق في معرض فرير

Freer Gallery

تتكون زخرفته من رسم ثعلب يطارد أرنبا (انظر شكل

88 ). كما أن بعض الخزفيين كانوا يقلدون شكل الأواني المعدنية. ومن أمثلة ذلك إبريق في مجموعة بلزبري

A. Pillsbury

يرجع إلى نهاية القرن السادس الهجري (انظر شكل

84 ).

وقد اتخذت الفنون الإيرانية اتجاها جديدا منذ نهاية القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)؛ فصارت الدقة والظرف والأناقة تغلب عليها شيئا فشيئا. ولا غرو فقد ازدهرت فنون الكتاب، وظهر تأثير المذهبين والمصورين على سائر الفنون، كما نرى جليا في سلطانية بمعهد الفن في شيكاغو

44

مؤرخة من محرم سنة 587ه/1191م،

45

وتمتاز عدا ذلك بما ذاع في ذلك الوقت من الميل إلى الزخرفة باتخاذ الخطوط أو الدوائر لتقسم سطح الآنية إلى مناطق تكسب الرسم شيئا من الأناقة والاتزان.

وكثر في ذلك العصر اتخاذ الحروف الكوفية لتزيين حافة الآنية. وكان الفنانون يعنون في بعض الأحيان برسم تلك الحروف فيمكن قراءتها، كما كانوا يرسمونها في أحيان أخرى بطريقة تبعدها عن أصولها وتجعلها زخرفة شبه كتابية. واستعملوا كذلك الخط «المحقق»

46

في الكتابة التي تدور حول حافة الإناء.

وكان الخزفيون في مدينة الري يصنعون لوحات القاشاني ذي البريق المعدني، ولكن منتجاتهم في هذا الميدان لم تصل إلى حد كبير من الإتقان، كما كان بعضهم ينقش بالبريق المعدني البلاطات المصنوعة من الملاط، على النحو الذي نراه في قطعة محفوظة في مجموعة كلكيان

Kelekian ، رسم عليها أربعة أشخاص تحيط برءوسهم هالات من النور، ويركب أحدهم حمارا أو فرسا،

47

وقد يكون المقصود رسم السيد المسيح - عليه السلام - داخلا بيت المقدس، وربما كان الفنان الذي رسم هذا المنظر مسيحيا، ولكننا لا نوافق الدكتور توماس أرنولد في قوله بأن كثيرين من الفنانين في مدينة الري كانوا من المسيحيين؛ لما نراه من إقبالهم على استعمال الصور الآدمية في منتجاتهم؛

48

فقد مر بنا أن الفنانين المسلمين لم يتركوا تصوير المخلوقات الحية تركا تاما؛ فضلا عن أننا نرى مثل هذه الصور في منتجات مدن إيرانية بعيدة كل البعد عن المراكز الدينية المسيحية في الشرق الأدنى.

ولم تكن التحف الخزفية ذوات البريق المعدني من صناعة الري ذات لون واحد، بل استعملت فيها ألوان أخرى إلى جانب البريق المعدني، كما يظهر في محراب خزفي صغير في دار الآثار العربية بالقاهرة، مؤرخ من سنة 585ه/1189م ونرى فيه اللون الفيروزجي.

49

ولا ريب في أن الخزفيين بمدينة الري كانوا مغرمين بالتجديد والتنويع في منتجاتهم الفنية، وأنهم أصابوا حظا وافرا جدا من التوفيق في زخارف بعض هذه المنتجات وإبداع ألوانها وجمال أشكالها، ولكنهم عمدوا منذ القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) إلى زيادة الكميات التي كانوا ينتجونها، وإلى العمل للسوق العادي وأصحاب الذوق الفني المتوسط، كما أقبلوا في بعض الأحيان على تقليد الأنواع الجديدة التي كانت تصنع في بعض المراكز الفنية الإيرانية الأخرى؛ فكانت نتيجة ذلك أن انحطت أنواع الخزف ذي البريق المعدني في مدينتهم. •••

الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلاميص ٦٣