تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانت مدينة الري منذ القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) من أعظم بلاد العالم الإسلامي، فكتب عنها ابن حوقل أنها أجمل مدن الشرق بعد بغداد. وكتب ياقوت الحموي: «فأما الري المشهورة فإني رأيتها وهي مدينة عجيبة الحسن مبنية بالآجر المنمق المحكم الملمع بالزرقة، مدهون كما تدهن الغضائر ... وكانت مدينة عظيمة خرب أكثرها. واتفق أنني اجتزت في خرابها في سنة 617 وأنا منهزم من التتر فرأيت حيطان خرابها قائما، ومنابرها باقية، وتزاويق الحيطان في حالها؛ لقرب عهدها بالخراب، إلا أنها خاوية على عروشها.»

39

ثم نقل ياقوت ما كتبه الإصطخري في كتاب «الممالك والمسالك»؛ حيث قال: «وهي مدينة إذا جاوزت العراق إلى المشرق فليس مدينة أعمر ولا أكبر ولا أيسر أهلا منها إلى آخر الإسلام إلا نيسابور فإنها في العرضة أوسع، فأما اشتباك الأبنية والعمارة واليسار فإن الري تفضلها.»

40

وقد أيدت الحفائر في أنقاض هذه المدينة ما كتب عن فخامة بيوتها وازدهار الصناعات الفنية فيها، ولا سيما الخزف والمنسوجات والتحف المعدنية. وأكبر الظن أن الري كان لها في ذلك العصر ما نراه الآن في بعض المدن الكبيرة من تركز المصانع في الضواحي. ولعل وجود المصانع الكبيرة في الضواحي والقرى التابعة للري هو الذي أنقذها إلى حد ما من الخراب الذي جره غزو المغول على كثير من المدن الكبرى في الشرق الأدنى.

والمعروف أن سلاطين السلاجقة كانوا من أعظم رعاة الفن في التاريخ الإيراني، وقد كان طغرل الثاني - آخر الذين حكموا منهم في إيران - شديد العناية بالفن والفنانين؛ فبلغت في عصره (573-592ه/1177-1194م) الصناعات الفنية في مدينة الري أوج عظمتها. وكان على رأس هذه الصناعات - بل أعظمها على الإطلاق - صناعة الخزف.

وقد عقد البيروني في كتابه «الجماهر في معرفة الجواهر» فصلا في ذكر القصاع الصينية، كتب فيه:

وكان لي بالري صديق من الباعة أصبهاني، أضافني في داره؛ فرأيت جميع ما فيها من القصاع والإسكرجات والنوفلات والأطباق، والأكواز والمشارب، حتى الأباريق والطسوس والمحارض والمنارات والمسارج وسائر الأدوات، كلها من خزف صيني؛ فتعجبت من همته في ذلك في التجمل.

41

ولكن وفاة طغرل الثاني وغارة أمراء خوارزم شاه، وما ترتب على ذلك من الاضطراب، جر على مدينة الري خسارة كبيرة، قبل أن يضربها المغول الضربة العظمى سنة 621ه/1224م. على أن موقعها في ملتقى الطرق الرئيسية في إيران أتاح لها أن تقوم ثانية، وأن تستعيد قسطا وافرا من مكانتها الأولى في التجارة والصناعة.

42

ومهما يكن من الأمر فإن مدينة الري كانت من أعظم مراكز الصناعة الخزفية في إيران، إن لم تكن أعظمها على الإطلاق. ولا غرو أن نسب إليها مؤرخو الفنون أصنافا عديدة من الخزف.

فثمة تحف خزفية عثروا على نماذج قليلة منها في الري وفي بلاد الجزيرة، وهذه التحف - في أكثر الأحيان - أطباق غير عميقة ولها حافة منبسطة، أما طلاؤها فأبيض اللون كالقشدة، وعليه طبقة من المينا. وأهم الزخارف التي استخدمت في هذا النوع رسم البراق، فضلا عن الطيور والبط والإوز. ولعل أبدع القطع المعروفة من هذا الخزف طبق في القسم الإسلامي من متاحف برلين، وعليه رسم نسر أو ديك كبير، ثم طبق آخر في مجموعة يومور فوبولوس بلندن، وعليه رسم منظر رقص وموسيقى فوق مرسح يسنده حيوانان ضاريان. أما أهم الألوان المستخدمة في هذه المجموعة المنسوبة إلى القرنين الخامس والسادس بعد الهجرة (الحادي عشر والثاني عشر بعد الميلاد)، فهي الأزرق والأخضر والأرجواني.

وقد كان لمدينة الري المكانة الأولى في استخدام الخزف ذي البريق المعدني في شتى أنواع المنتجات الخزفية؛ كالأواني والمحاريب والمقاعد والموائد والتماثيل الآدمية والحيوانية. واختلفت الزخرفة بالبريق المعدني في هذا العصر عما عرفناه عنها في العصر السابق؛ فأصبحت الأرضية هي التي تغطى بالبريق المعدني، بينما نرى رسوم الأشخاص بيضاء محجوزة في تلك الأرضية. وقد كان الشائع في العصر السابق أن صور الأشخاص هي التي تغطى بالبريق المعدني دون سائر الأرضية.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلاميص ٦٢