ومن الخزف ذي الزخارف المحفورة نوع آخر أزرق أو أخضر، ويمتاز أيضا برفعه وخفة وزنه وزخارفه المحفورة حفرا متقنا، ولا سيما في رسوم الحيوان والطير. ومن أجمل التحف المعروفة من هذا النوع صحن في مجموعة يومورفوبولوس
Eumorfopoulos ، ومعظمها ينسب أيضا إلى قاشان في القرن الخامس الهجري.
على أن أبدع أنواع الخزف ذي الزخارف المحفورة ما امتاز بتعدد ألوانه وسيادة العنصر التصويري فيه. أما الألوان التي شاع استعمالها في هذا الضرب من الخزف فهي الأزرق بدرجاته المختلفة، والأخضر المائل إلى الزرقة، والأخضر الفاتح، والأحمر الأرجواني، والأصفر الفاتح، فضلا عن لون الباذنجان بين السواد والحمرة. ومعظم التحف الباقية من هذا النوع صحون واسعة. على أن مجموعة باريش وطسون
Parish Watson
فيها إناء من نوع الألبارلو
albarello ،
28
وفي مجموعة السر أرنست ديبنهام
Debenham
كأس، وفي المتحف البريطاني وعاء غريب الشكل
29
يظن أنه وعاء للحلوى، أما زخارف هذا النوع فطيور كالطاووس والغزال والإوز والصقر، أو كائنات خرافية كأبي الهول والطائر الذي له وجه سيدة. وتظهر الزخرفة على أرضية صفراء فاتحة أو بيضاء وتزينها رسوم فرع نباتية.
وأجمل التحف المعروفة من هذا النوع صحن من مجموعة يومورفوبولوس
Eumorfopoulos
عليه رسم شخص في ملابس فضفاضة يرقص بين موسيقيين فوق دكة يحملها كلبان أو ضبعان.
30
وفي القسم الإسلامي من متاحف الدولة ببرلين صحن مشهور عليه رسم ديك في وضع زخرفي، وعليه طابع العظمة والقوة (انظر شكل
80 )، وفي متحف كليفلاند صحن آخر كان في مجموعة أيفريت ماسي
Everit Macy
وفيه رسم باز أنقض على ديك رومي (انظر شكل
79 ). وفي مجموعة الدكتور علي باشا إبراهيم صحن جميل عليه رسم طائر له وجه سيدة، كما أن المتحف المتروبوليتان بنيويورك فيه بعض صحون من هذا النوع. وعلى كل حال فإن هذا الخزف ينسب أيضا إلى الري وقاشان في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي).
وثمة نوع رابع من الخزف ذي الزخارف المحفورة، نرى الرسوم فيه محفورة حفرا دقيقا تحت الدهان، ويستعمل فيه اللون الأصفر والأسمر والذهبي والأخضر ولون الباذنجان، ولكنا نجد الألوان مفصولة بعضها عن بعض، كما يبدو ذلك في المثلثات الصغيرة التي تزين حافة الإناء وتكون زخرفة كأسنان المنشار. ومعظم زخارف هذا الخزف طيور تقوم على أرضية من الأغصان والفروع النباتية.
31
ومما يلفت النظر أن سلطانيتين من هذا النوع عليهما اسم صانعهما «أبو طالب»، وإحداهما في متحف اللوفر والأخرى في معهد الفن بمدينة شيكاغو . (1-9) خزف جبري
ومن أعظم أنواع الخزف الإيراني شأنا في العصر الإسلامي نوع قائم بذاته، ويعرف باسم «جبري» وهو اسم عبدة الشمس في إيران. وقد نسبه تجار العاديات وغيرهم إلى عبدة الشمس؛ لأنهم ظنوه من صناعتهم قبل أن ينتشر الدين الإسلامي في كل الأقاليم الإيرانية. ولعل الذي دفع إلى هذا الزعم ما نراه في رسوم هذا الخزف من حيوان وطيور لا ينتظر أن يقدم المسلمون على استخدامها، فضلا عن أن بعض الزخارف البارزة في هذا الخزف تشبه الزخارف التي استخدمت في الأواني الفضية التي تنسب إلى العصر الساساني.
كان هذا الخزف ينسب إذن إلى القرنين الأول والثاني بعد الهجرة (السابع والثامن بعد الميلاد)، ولكن حدث أن كشفت بعض قطع منه ووجد عليها كتابات بحروف كوفية، تجعل من الراجح نسبتها إلى القرنين الرابع والخامس بعد الهجرة (العاشر أو الحادي عشر)؛ فمن المحتمل أن يكون خزف «جبري» من منتجات إيران في الأربعة القرون الأولى بعد الفتح الإسلامي.
وعلى كل حال فإن الزخارف في هذا الضرب من الخزف تكون في الغالب من كتابات كوفية، ومن رسوم طيور أو حيوانات حقيقية أو خرافية، ولا سيما الأسد والثور والجمل وأبو الهول والغريفون والباز والطاووس والنسر، ولكنها محفورة حفرا عميقا في الطبقة البيضاء الرقيقة التي تكسو السطح بحيث يصل هذا الحفر إلى العجينة الحمراء المصنوع منها الإناء. وتعلو العجينة والطبقة البيضاء التي تغطيها مادة زجاجية شفافة ذات لون أصفر أو أخضر أو أسمر قاتم.