وكذلك كانت صناعة التحف المعدنية زاهرة في العصر السلوجوقي، وكانت مقاطعة خراسان في طليعة الأقاليم السلجوقية التي امتازت في هذا الميدان؛ ولا غرو فإنها كانت في عصر الدولة السامانية (261-389ه؛ أي 874-999م) مركزا عظيما لإنتاج التحف والأواني من البرونز وتزيينها بالزخارف الإيرانية القديمة ذات الطراز الساساني. ونحن نعرف في بعض المتاحف والمجموعات الأثرية الخاصة عددا كبيرا من التحف المعدنية لا تزال عليها زخارف من الطراز التي سبقت العصر الإسلامي، ولكن فيها بعض تفاصيل دقيقة تظهر لذوي الخبرة، وتدل على أن هذه التحف مصنوعة في صدر الإسلام، واحتفظ الفنانون في صناعتها بالأساليب الفنية الساسانية، بل احتفظوا عدا ذلك بأشكال التحف والأواني القديمة. أما في عصر السلاجقة فقد ذاعت شهرة خراسان بصناعة التحف من النحاس والفضة وتطبيقها (تكفيتها) بالفضة في القرنين الخامس والسادس بعد الهجرة (الحادي عشر والثاني عشر بعد الميلاد). وكانت هذه التحف تزين في أغلب الأحيان بأشرطة أفقية من الزخارف فيها كتابات نسخية تنتهي بعض قوائم الحروف فيها برسوم رءوس آدمية، وفيها رسوم راقصات وفرسان ومناظر طرب وموسيقى وبهلوان، وما إلى ذلك مما سيأتي الكلام عليه حين نفصل الحديث عن صناعة التحف المعدنية في الفن الإيراني.
على أن المدينة التي قدر لها أن تصبح أعظم مركز لصناعة التحف المعدنية المنزلة بالفضة والذهب هي مدينة الموصل في القرنين السادس والسابع بعد الهجرة (الثاني عشر والثالث عشر بعد الميلاد). وامتازت منتجاتها بدقة الزخارف المطبقة؛ أي المطعمة، وباستخدام الذهب في التطبيق أو التكفيت؛ مما أكسب تلك التحف جمالا وإبداعا عظيمين؛ ولا عجب فقد كانت كراهية اتخاذ الأواني من المعادن النفيسة سببا في العمل على تطبيق النحاس والبرونز بزخارف الفضة والذهب.
وقد كان لمدرسة الموصل أكبر الأثر في تطور صناعة المعادن في سائر الأقطار الإسلامية؛ فقد رحل منها صناع كثيرون إلى القاهرة وحلب وبغداد ودمشق، وأسسوا مدارس جديدة لصناعة التحف المعدنية وتطبيقها بالفضة والذهب في أسلوب فني يظهر فيه التأثر بأساليب مدرسة الموصل في هذا الميدان.
وازدهرت صناعة الخزف في العصر السلجوقي، وظهرت المهارة التي ورثها صناع الخزف الإيرانيون والعراقيون عن العصور القديمة. وأقبل القوم على استخدام القاشاني لتزيين الجدران، والخزف لصناعة الأواني الجميلة، وذاعت شهرة مدينتي الرقة والموصل، ولكن الذي يعنينا في هذا المقام هو مركز ثالث من مراكز إنتاج الخزف في العصر السلجوقي، بل هو أعظمها على الإطلاق. ونقصد مدينة الري جنوبي طهران؛ فقد ظلت هذه المدينة حتى القرن السابع الهجري (النصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادي) مقر صناعة زاهرة جدا، وموطنا لإنتاج أنواع دقيقة وبديعة من الخزف الذي أكسب إيران في هذا الميدان شهرة لا تدانيها شهرة الصين في ذلك العصر، والذي امتاز بتنوع أشكاله وجمالها وإبداع زخارفه واتزانها. والواقع أن أكبر مركز لصناعة الخزف ذي البريق المعدني كان في مصر إبان العصر الفاطمي، ثم أصبحت القيادة في هذا الميدان لمدينة الري منذ القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي).
وتوصل الخزفيون فيها إلى التجديد في صناعتهم إبان القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) فلم تعد منتجاتهم مقصورة على النوع الذي يعرف باسم «جبرى»
7
وينسب معظمه إلى ما بين القرنين الرابع والسادس (العاشر والثاني عشر بعد الميلاد)، وهو شعبي يمتاز بزخارفه المحفورة حفرا عميقا على أرضية من الفروع النباتية، والتي تذكر بعض الشيء بالزخارف الساسانية في رسومها المكونة من حيوان أو طائر يكسبه الحفر العميق شيئا من البروز. أجل، وفق الخزفيون بمدينة الري في القرن السادس (منتصف القرن الثاني عشر الميلادي) إلى صناعة الخزف ذي البريق المعدني ويسمونه «مينائي»، وهو في أغلب الأحيان آنية - وفي بعض الأحيان لوحات - مدهونة بطلاء أبيض فوقه رسوم متعددة الألوان من صور آدمية وفرسان وأمراء على عروشهم وحيوانات وطيور، وصور توضح قصصا من الأدب أو التاريخ الإيراني كقصة بهرام جور وخسرو وشيرين، وما إلى ذلك من الرسوم الدقيقة التي تشبه رسوم المخطوطات في المدرسة السلجوقية، والتي كان بعض أجزائها مذهبا. ومن المحتمل أن يكون مصورو المخطوطات قد اشتركوا في رسم الزخارف على بعض تلك الأواني الخزفية. بيد أن عددا منها كانت رسومه من الفروع النباتية وليس فيها رسوم آدمية، كما أن بعضها كان طلاؤه أزرق أو أخضر. وثمة نوع كانت زخارفه بارزة ومجسمة، كما سنرى في الفصل الذي سنعقده للكلام على الخزف الإيراني عامة.