تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12 (1-4) الخزف ذو البريق المعدني

ومما زاد الخزف الإيراني نضارة وجمالا ما وصل إليه المسلمون في إكسابه بريقا معدنيا، يختلف لونه بين الأحمر النحاسي والأصفر الضارب إلى الخضرة، ويغنيهم عن الأواني الذهبية والفضية التي كان رجال الدين في الإسلام يكرهونها لما تدل عليه من ترف وإسراف.

13

وقد عثر المنقبون على نماذج من الخزف ذي البريق المعدني في إيران والعراق ومصر وإفريقية والأندلس، واختلفوا في موطن صناعتها، فنسبها بعضهم إلى إيران، ونسبها آخرون إلى مصر، ونسبها الألمان من رجال الآثار الإسلامية إلى العراق. ويميل كثير من الأخصائيين في الوقت الحاضر إلى الأخذ بهذا الرأي الأخير.

14

والحق أن هذه الصناعة وجدت في إيران والعراق ومصر في فجر الإسلام، وأننا لا نملك من الأدلة ما يجعلنا ننسب ابتداعها إلى قطر من هذه الأقطار الإسلامية، ولكن وجودها في إيران منذ العصور الإسلامية الأولى ثابت بأدلة قوية، فقد عثر في أطلال بعض المدن الإيرانية على قطع خزفية ذات بريق معدني وعليها إمضاء صانعيها، وتدل أسماؤهم التي تغلب عليها المسحة الإيرانية على أنهم من إيران نفسها؛ مما يحمل على ترجيح كون هذه القطع الخزفية مصنوعة في إيران وليست واردة من الخارج. وفضلا عن ذلك فقد وجد في أطلال مدينة ساوه قطعتان تالفتان في الفرن، كما وجدت البعثة الفرنسية في مدينة السوس قطعا أخرى تالفة، وأطلال فرن خزفي وحوامل من التي توضع عليها الأواني لإحراقها في الفرن، بل إن بعض هذه الحوامل عليه آثار المادة المكونة للبريق المعدني. ويجدر بنا ألا نغفل هنا ما كتبه المؤرخون والجغرافيون المسلمون عن شهرة بعض البلاد الإيرانية في إنتاج الخزف اللامع المذهب.

وأصحاب النظرية القائلة بنسبة ابتداع البريق المعدني إلى الإيرانيين يحتجون بأن إيران كانت في القرنين الثاني والثالث بعد الهجرة، قد قطعت شوطا بعيدا في سبيل الحضارة الإسلامية، وكانت لها صناعة خزفية زاهرة، وبأن ما وجد فيها من الخزف ذي البريق المعدني أكثر مما وجد في العراق، فضلا عن أنه وجد في مراكز فنية مختلفة ومتباعدة، بينما لم يوجد بالعراق إلا في سامرا. ثم إن أبدع أنواع الخزف ذي البريق المعدني عثر عليها بإيران في مدينتي الري وساوه. والحق أن الأدلة التي يسوقها القوم لنسبة الفضل في ابتداع البريق المعدني حجج معقولة إلى حد كبير.

ومهما يكن من الأمر فإن البريق المعدني الذي نعرفه في الخزف الإسلامي ذهبي اللون في درجات مختلفة. وتنقسم النقوش ذات البريق المعدني إلى أقسام ثلاثة: الأول نقوش ذهبية اللون على أرضية بيضاء، والثاني نقوش حمراء أو قرمزية على أرضية تكون في أغلب الأحيان بيضاء أيضا، والثالث نقوش متعددة الألوان صفراء وسمراء وزيتونية على أرضية بيضاء. ويتطلب إنتاج الأواني ذات البريق المعدني إحراقها إحراقا أوليا بعد تمام عملية التجفيف، ثم طلاءها بالدهان أو المينا، وهي المادة الزجاجية التي تطلى بها الأواني الخزفية المحروقة إحراقا أوليا، ثم ترسم النقوش فوق الدهان بطبقة دقيقة من الأملاح المعدنية، وتحرق بعد ذاك في فرن خاص إحراقا نهائيا في درجة حرارة منخفضة.

15

ولا يجب أن ننسى أن الخزف ذا البريق المعدني هو أقدم أنواع الخزف الإسلامي التي نرى عليها نقوشا آدمية، وبعض هذه النقوش يدل على براعة نسبية في الرسم وعناية بالخطوط التي تكسب الصورة مسحة خاصة وذاتية قوية. وحسبنا الصحن الموجود في مجموعة الدكتور علي باشا إبراهيم في القاهرة

16 (انظر شكل

73 )، وبريقه المعدني ذهبي اللون على أرضية بيضاء منقطة ويتوسطها رسم شخص يعزف على القيثار، وله قلنسوة مدببة وشارب رفيع، وفي نفس المجموعة صحن آخر عليه رسم سيدة.

ومن أبدع التحف الخزفية من هذا النوع كأس في مجموعة ألفونس كان

الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلاميص ٥٧