8 (اكتيسيفون) من خزف غير مدهون وآخر ذي طلاء أخضر، فضلا عن الخزف ذي البريق المعدني، كما عثر في إقليم خوزستان على مجموعة خزفية من أزيار كبيرة، بعضها ذو طلاء وبعضها لا طلاء له.
9
أما الزخارف فمطبوعة، وساسانية الطراز، وقوامها في أكثر الأحيان شريط من رسوم الحيوانات، ولكننا نعرف أن صناعة الخزف في نهاية القرن الثاني وفي القرن الثالث بعد الهجرة بدأت في الازدهار، متأثرة بالأساليب الفنية التي أخذها الشرق الأدنى عن الصين في تلك الصناعة.
10
ولا غرو فقد كانت بلاد الجزيرة تجلب الخزف الصيني منذ العصور القديمة، وقد عثر المنقبون عن الآثار في المدائن (اكتيسيفون) وفي سامرا على كميات وافرة من هذا الخزف. (1-2) خزف بلاد ما وراء النهر
كانت بلاد ما وراء النهر وبلاد التركستان إيرانية بحتة إلى القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)؛ بل كانت في عصر الدولة السامانية من أزهر الأقاليم الإسلامية؛ فكان بلاط هذه الدولة في سمرقند محط رحال العلماء والأدباء وموطن النهضة الإيرانية الأولى، وذاع صيت بخارى وسمرقند في العالم الإسلامي كله.
ومن خير الأدلة على مدنية تلك البلاد في القرون الأولى بعد الإسلام ما أنتجته من تحف خزفية تمتاز ببساطتها واتزانها مع جمال ألوانها وإبداع زخارفها ذات المسحة الفنية الممتازة. ولا عجب فإن صناعة الخزف فن قديم في هذا الإقليم. وأكبر الظن أن مركزها كان في مدينة شاش (طشقند الحالية) التي كتب المقدسي عن جودة ما كانت تصدره من خزف، ومدينة أفراسياب التي عثر فيها المنقبون عن الآثار على كميات وافرة من الخزف محفوظة الآن في متاحف سمرقند والهرميتاج وفكتوريا وألبرت وفي برلين. ومعظم هذا الخزف ذو أرضية سوداء أو سمراء، وعليها زخارف يبدو فيها التأليف الحسن، ويظهر فيها لون أحمر لا نكاد نراه في سائر أنواع الخزف الإيراني. وقوام هذه الزخارف رسوم نباتية ومراوح نخيلية (بالمت) ورسوم طيور كالبط والبجع، ثم زخارف بالخط الكوفي الجميل (انظر شكل
71 ) تمتاز كلها بدورانها حول مركز واحد؛ مما يكسبها شيئا من الحركة والخفة. (1-3) الخزف الأبيض ذو النقوش الزرقاء والخضراء
وهذا ضرب من الخزف عثر على كمية منه في أطلال سامرا؛ فنسب في بداية الأمر إلى هذه المدينة، ولكن وجدت منه نماذج أخرى في أطلال مدن إيرانية، ولا سيما الري وساوه وقم. والمرجح الآن أنه من صناعة إيران، وأنه انتشر منها إلى سائر أنحاء الشرق الأدنى حتى لقد وجدت بعض قطع منه في أطلال الفسطاط،
11
وقد لوحظ في بعض الأحيان اختلاف العجينة المصنوع منها؛ مما يدل على أن إنتاجه لم يكن مقصورا على إقليم واحد، بل كان موزعا على مراكز فنية متعددة.
وأكبر الظن أن هذا الخزف كان منتشرا بين القرنين الثالث والخامس بعد الهجرة (التاسع والحادي عشر بعد الميلاد)، كما يدل وجوده في أطلال سامرا التي هجرت سنة 270ه/883م، وأسلوب الخط في الكتابات التي توجد على بعض قطع منه، والتي يمكن نسبتها إلى نهاية القرن الرابع الهجري.
ومعظم منتجات هذا النوع من الخزف سلطانيات أو صحون غير عميقة وبها حافة منبسطة وقاعدة منخفضة جدا؛ مما يجعل وضع السلطانيات أو الصحون في بعضها وإعدادها للتجارة والأسفار أمرا ميسورا. أما الزخارف فبعضها هندسي كالمثلثات والدوائر، والمثلثات المتداخلة والمتصلة على هيئة «خاتم سليمان»، وبعضها نباتي كأوراق المراوح النخيلية (البالمت) والوريدات، وبعض رسوم أخرى كالنخلة المرسومة في سلطانية جميلة محفوظة الآن بالمتحف الأهلي في طهران (انظر شكل
71 ). وقد نرى على بعض الأواني من هذا الخزف كتابات تسير في عرض الإناء من طرف إلى آخر أو ترسم في قاعدته على هيئة مربع. كما نرى أن عددا من الأواني ليس عليه من الزخارف إلا أربع مناطق من «البقع» الخضراء والزرقاء، وعلى بعض القطع إمضاءات مثل: «عمل الأحمر» و«عمل كثير بن عبد الله» و«عمل أبي خالد»، وكلها على قطع وجدت في أطلال سامرا.