ومن المصورين الذين نسجوا على منوال سلطان محمد مصوران آخران هما شاه محمد الأصفهاني ومير نقاش. وأكبر الظن أن الأخير خلفه في إدارة مجمع الفنون. وقد امتاز هذا المصوران برسم شبان الطبقة الأرستقراطية في أوضاع أنيقة وأساليب متكلفة؛ كما يظهر في صورة محفوظة في متحف الفنون الجميلة بمدينة بوستن، وتمثل أميرا صفويا في يده زهرة
61
وعليها إمضاء شاه محمد، وكما يظهر في صورة أخرى من النوع نفسه محفوظة الآن في المتحف البريطاني، وتنسب إلى المصور مير نقاش.
أما مظفر علي فقد كان من تلاميذ بهزاد، واشترك في تصوير مخطوط نظامي الذي كتب للشاه طهماسب والمحفوظ في المتحف البريطاني، كما اشترك فيه أيضا المصوران ميرزا علي التبريزي ومير سيد علي. وامتاز الأخير بجمعه عدة مناظر، بعضها فوق بعض، في الصورة الواحدة، وبعنايته بتسجيل حياة المدن والريف في صوره. ويبدو ذلك في الصورة التي رسمها في المخطوط سالف الذكر، وهي تمثل عجوزا تقود «المجنون» أسيرا إلى خيمة ليلى،
62
وقد خرج المصور على التقاليد الموروثة؛ فصور ربع ليلى وما يجري فيه من الأعمال اليومية، وما أثاره قدوم «المجنون» من العداء والفضول؛ فليلى جالسة في خيمتها والعجوز على مقربة منها، ومعها المحب المتيم يرسف في قيوده، والصبية يقذفونه بالأحجار. وفي الصورة خيام أخرى انصرف من فيها من النساء إلى أعمالهن المنزلية، وثمة سيدة تجلب ماء من القناة، وأخرى تحلب شاة، وبجوارها راعيان يحرسان قطيعا من الغنم، وفي يد أحدهما مغزل بينما الثاني يعزف في مزمار.
ولم يكن نشاط هذا الفنان مقصورا على إيران فحسب، بل لقد ذهب إلى الهند وكان له فيها شأن عظيم؛ وذلك أن الإمبراطور الهندي المغولي همايون فقد عرشه سنة 951ه/1544م وفر إلى بلاد الشاه طهماسب؛ حيث أتيح له أن يلقى مير سيد علي؛ فأعجب به إعجابا شديدا وألح عليه في مرافقته إلى كابل، ثم إلى دهلي؛ حيث عهد إليه بإدارة العمل لإنتاج 2400 صورة كبيرة لقصة الأمير حمزة. وقد اشتغل في هذا العمل عشرات المصورين، وظلوا يعملون عدة سنين،
63
ولكن إدارته انتقلت منذ سنة 956ه/1549م إلى مصور إيراني آخر: هو عبد الصمد الشيرازي. وأكبر الظن أن هذا الفنان الأخير لم يصب ما ناله من الشهرة إلا بفضل عمله الفني في الهند؛ فقد رحل إليها شابا، وارتقى فيها درجات المجد حتى اختاره الإمبراطور «أكبر» أستاذا له. وكان تأثيره الفني في تصوير قصة الأمير حمزة أعظم من تأثير سلفه مير سيد علي، بل إنه لم يلبث أن تأثر بالبيئة الهندية، وأصبحت صوره هندية إلى حد كبير. والواقع أن لدينا نماذج من آثاره الفنية نستطيع بوساطتها أن نتبع تطوره الفني، وأن نشهد انفصاله التدريجي عن الأساليب الفنية في المدرسة الصفوية بتبريز؛ حيث نشأ وبدأ حياته الفنية.
وممن أنجبتهم هذه المدرسة مصورون أتيح لهم أن يرحلوا إلى تركيا، وعلى رأسهم كمال التبريزي الذي كان تلميذا لميرزا علي، وشاه قولي الذي كانت له حظوة كبيرة في بلاط السلطان سليمان القانوني، وولي جان الذي عرف بميله إلى تصوير الدراويش والشبان والشابات بالملابس التركية.
وتألق نجم فنان كبير في نهاية المدرسة الصفوية الأولى، وهو المصور محمدي الذي درس التصوير على والده سلطان محمد، وامتاز بالتفوق في رسم المناظر الريفية، والعناية بتسجيل الحياة اليومية. وكانت حياته الفنية طويلة؛ فإننا نرى إمضاءه على صورة أمير صفوي مؤرخة في تبريز سنة 934ه/1528م، ومحفوظة الآن في مرقعة (ألبوم) بهرام ميرزا في إستانبول، كما نرى صورة أخرى في المرقعة نفسها عليها إمضاؤه في هراة سنة 922ه/1584م.
ولعل أبدع آثاره الفنية رسم محفوظ في متحف اللوفر (انظر شكل
48 ) يرجع إلى سنة 986ه/1578م، وفيه بعض مناظر خلابة من حياة الريف ومضارب القبائل الرحل؛ فثمة فلاح يحرث الأرض وآخر جالس تحت شجرة عليها طيور، وعلى مقربة منها راع يحرس قطيعا من الغنم ويعزف على مزمار في يده وإلى يمينه كلبه، كما نرى خيمتين فيهما نساء يغزلن وينسجن، وخلف الخيمتين رجل يجلب ماء في قدر.