ولا يفوتنا أن مخطوط نظامي الذي اشترك في تصويره أعلام المدرسة الصفوية صورة غير ممضاة، ولسنا ندري لأي الفنانين يمكننا نسبتها، تلك هي صورة السلطان سنجر والعجوز التي تقدمت إليه تشكو من أن أحدا من جنوده سرق مالا لها.
57
وهذه قصة مشهورة صورها كثير من المصورين الإيرانيين، وقد كان سنجر آخر ملوك دولة السلاجقة في أيام مجدها وقبل أن تقوم على أنقاضها دويلات سلجوقية صغيرة الشأن في القرن السادس الهجري (منتصف الثاني عشر الميلادي). ويحكى عنه أن عجوزا اعترضت موكبه شاكية أحد جنوده؛ فغضب وقال لها ما معناه: كيف حدثتك نفسك بمضايقتي بشكواك التافهة؟! ألا ترين أني خارج لأفتح بلادا وأعاقب أمما بأجمعها؟! فأجابته قائلة: «وأي فائدة تجني من الانطلاق لقهر الأمم الأجنبية إذا كنت غير قادر على حفظ النظام بين جنودك؟!»
وفي اعتقادنا أن هذه الصورة ذات الثروة الزخرفية العظيمة، من الآثار الفنية التي يمكن نسبتها إلى سلطان محمد أو إلى آقاميرك في آخر حياته.
58
ومن أبدع الصور التي رسمها سلطان محمد اثنتان في مخطوط من أشعار حافظ في مجموعة كارتييه
Cartier
إحداهما تمثل أميرا صفويا بين أتباعه وغلمانه في «كشك» في حديقة، وقد جلسوا حوله حلقة يزيدها بهاء الألوان نضارة. أما الصورة الثانية فتمثل منظر شراب، وتبدو فيها مهارة الفنان ودعابته وتوفيقه في تصوير الحركة؛ فإن المنظر كله يكاد يكون كاريكاتوريا: تدار كئوس الخمر؛ فيتناولها فريق، بينما نرى آخرين يترنحون من السكر، ويتدحرج بعضهم على الأرض، وفي الطابق العلوي شيخ ينظر في مرآة في يده، ويشترك الملائكة في الشراب من شرفة تطل على الباقين، بينما يطرب الجميع موسيقيون، بينهم شيخ وغلامان وثلاثة أشخاص آخرين في هيئة كاريكاتورية تجعلهم أقرب إلى القردة منهم إلى الآدميين. وفي طرف الصورة حديقة ذات سياج خشبي، وقف بجواره رجل يقبض على إبريق من الخمر يتدلى في حبل طويل، أمسك به رجل في شرفة تطل على الحديقة.
59
وثمة صورة أخرى يرجح أنها من رسم سلطان محمد، ولا عجب فإنها تكاد تكون أبدع ما صوره الفنانون في عصر الأسرة الصفوية. وهي من الصور التي لا إمضاء عليها في مخطوط نظامي الذي كتب للشاه طهماسب، والمحفوظ في المتحف البريطاني. وتمثل هذه الصورة قصة المعراج،
60
وقد كانت أحب قصص السيرة النبوية إلى الإيرانيين؛ فرسموها في عدد كبير من الصور والمخطوطات. ولكننا لا نعرف صورة لهذه القصة أصاب فيها الفنان حظا من التوفيق والسمو أوفر من صورة المعراج في مخطوط نظامي (انظر شكل
46 )، فإن المرء يؤخذ لأول وهلة بإبداع ألوانها وجلال مظهرها، ويرى فيها السماء بسحبها البيضاء، والنبي - عليه السلام - راكبا فرسه «البراق» ذات الوجه الآدمي، وفي يمين الصورة بالجزء السفلي نرى الأرض التي تركها النبي وحولها غلاف أبيض كروي، وأمام النبي سيدنا جبريل يقود الركب في السموات، وبين الرسول وسيدنا جبريل ملك مجنح يحمل مبخرة معلقة في عصاة ويخرج منها لهب ذهبي، وعلى يسار النبي
صلى الله عليه وسلم
ملك آخر يحمل صحنا فيه بخور يحترق، وفي الصورة ملائكة آخرون يحمل بعضهم أطباقا من الجواهر والفواكه وفي يد أحدهم تاج ثمين. وصفوة القول أن في الصورة خيالا واسعا وحركة وحياة تجعلها من أبدع آيات التصوير الإيراني. كما أننا نلاحظ في رسم النبي عليه السلام ما اتبعه الفنانون الإيرانيون في معظم الأحيان من إخفاء سحنة الرسل.
وفي مجموعة البارون موريس دي روتشيلد مخطوط من شاهنامه تاريخه سنة 944ه/1537م، وفيه 256 صورة كبيرة يظهر في رسمها أسلوب أعلام المصورين في المدرسة الصفوية، ولا سيما سلطان محمد. وأكبر الظن أنها من عمل تلاميذهم، ولكنها عظيمة الشأن؛ لأنها كثيرة العدد، وتجمع المميزات الفنية في المدرسة الصفوية مع شتى الموضوعات التي عرض لها المصورون من قصص الشاهنامه.