وقد كان لقيام الدولة الصفوية أثر كبير في توحيد الأساليب الفنية، بعد أن حققت هذه الدولة الوحدة السياسية في البلاد الإيرانية؛ فلا غرو أن أصبحت منتجات مصوري البلاط في تبريز وقزوين أنموذجا ينسج على منواله النابهون من المصورين في سائر العاهلية الصفوية.
ومن أعلام المصورين في هذه المدرسة شيخ زاده وخواجة عبد العزيز وأقا ميرك وسلطان محمد ومظفر علي ومير سيد علي ومحمدي وسيد مير نقاش وشاه محمد ودوست محمد.
أما شيخ زاده فقد كان خراساني الأصل، وكان تلميذا لبهزاد، وانتقل معه إلى تبريز كما يظهر من صورة عليها إمضاؤه، وهي في مخطوط من أشعار حافظ، كتب لسام ميرزا، الأخ الأصغر للشاه طهماسب ، ومحفوظ الآن في مجموعة كارتييه
Cartier
وتمثل هذه الصورة مجلس وعظ،
52
ويبدو في رسم الأشخاص وتصوير ما أحدثه بعض المستمعين من شغب، إما لفرط التأثر والإعجاب بما قاله الواعظ وإما لسبب آخر، نقول، يبدو من ذلك - ومن رسم العمائر والجدران والأبواب ذات الزخارف الدقيقة - أن الفنان مشبع جدا بالأساليب الفنية التي نعرفها في بهزاد وتلاميذه.
ويميل الأستاذ الدكتور كونل
Kuhnel
إلى أن ينسب إلى شيخ زاده نحو أربع عشرة صورة من خمس عشرة موجودة في مخطوط جميل من المنظومات الخمسة لنظامي، كتبه سنة 931ه/1525م الخطاط الكبير سلطان محمد نور، ومحفوظ الآن في المتحف المتروبوليتان بنيويورك. وهذه الصور آية في الجمال بألوانها البديعة وزخارفها الدقيقة ورسومها الغنية. وقد نسبها مارتن
Martin
إلى أقا ميرك، ونسبها ساكسيان
Sakisian
إلى محمود مذهب.
53
ومن تلاميذ بهزاد المصور خواجه عبد العزيز، والمعروف أنه قدم من أصفهان وأن الشاه طهماسب درس عليه فن التصوير،
54
ومن الآثار الفنية التي خلفها هذا المصور صورة أمير صفوي، محفوظة الآن في إحدى المرقعات بمكتبة طوب قابوسراي بإستانبول وعليها إمضاؤه، وقد أضاف إلى اسمه أنه تلميذ الأستاذ بهزاد.
ونبغ من تلاميذ بهزاد المصور العظيم آقاميرك. وقد نشأ في أصفهان، ثم هاجر منها واتصل ببهزاد. وأتيح له أن يحظى بصداقة الشاه طهماسب. وقيل: إنه ظل يعمل في بلاطه حتى سنة 957ه/1550م. وثمة خمس صور عليها إمضاؤه، وهي في مخطوط من المنظومات «الخمسة» للشاعر نظامي، كتب في تبريز بين عامي 946 و949ه/1539-1543م للشاه طهماسب بيد الخطاط المشهور شاه محمود النيسابوري، ويفخر اليوم بحيازته المتحف البريطاني بلندن، وتمثل إحدى هذه الصور تتويج خسرو
55
ونرى في صورة أخرى خسرو وشيرين على العرش، وفي ثالثة مجنون ليلى بين الوحوش في الصحراء، أما الرابعة فتمثل قصة كسرى أنوشروان يصغي للبومتين اللتين تتحدثان على أنقاض قصر حل به الخراب؛ لأن صاحبه كان ظالما (انظر شكل
47 )، وتمثل الخامسة رجوع شابور إلى فسطاط خسرو. وتدل هذه الصور - بما فيها من عمائر وزهور وأشجار - على تأثر آقاميرك بأستاذه بهزاد، ولكننا نلاحظ فيها - فضلا عن ذلك - تفوق ميرك في تزيين الملابس بالزخارف المختلفة، وقصوره عما وصل إليه أستاذه في تنويع السحنة في الأشخاص، وإكسابها بعض الحياة والتعبير والحركة.
ومن أعلام المصورين في العصر الصفوي سلطان محمد، وقد قيل: إنه كان أستاذا للشاه طهماسب في فن التصوير، ولعله خلف بهزاد في إدارة مجمع الفنون الملكي، وأكبر الظن أن نشاط هذا المجمع لم يعد مقصورا على فنون الكتاب، بل امتد أيضا إلى صناعة الخزف ونسج الحرير والسجاد.
ومهما يكن من الأمر فإننا نجد إمضاء سلطان محمد على صورتين في مخطوط نظامي سالف الذكر، إحداها تمثل بهرام جور يصيد الأسد، والثانية تمثل خسرو يفجأ شيرين تستحم،
56
وتمتازان بدقة الزخارف على الملابس وبإبداع الألوان وإتقان رسوم الحيوان، وبالأشخاص ذوي الوجوه الجميلة التي تخلو من أي تعبير قوي. وصفوة القول أن أسلوب سلطان محمد يشبه أسلوب آقاميرك إلى درجة لا يمكن تفسيرها بأن كليهما كان تلميذا لبهزاد فحسب؛ بل قد تحملنا على القول بأنهما تعاونا في العمل تعاونا وثيقا، ولم تكن لكل منهما ذاتية فنية مستقلة عن الآخر إلى حد كبير.