تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9

وهكذا نرى أن تحريم التصوير في الإسلام لم يعطل ازدهار هذا الفن على يد الإيرانيين وتلاميذهم من الهنود والترك، بل إن الإيرانيين لم يحجموا عن تصوير بعض الموضوعات الدينية، ولا سيما في سير الأنبياء، كصورة مولد النبي ومقابلته الراهب بحيرا في الشام، ورفعه الحجر الأسود ليضعه على جدار الكعبة، وشق صدره وهو يقيم في البيداء عند مرضعته حليمة السعدية، وجلوسه في غار حراء يتلقى الوحي، وقصة المعراج، واختفائه مع أبي بكر في الغار يوم الهجرة، وموت أبي جهل في غزوة بدر، وتحطيم النبي الأصنام في البيت الحرام بعد فتح مكة، وحادث غدير خم الذي يقول الشيعة إن النبي - عليه السلام - أوصى فيه بأسرته بعد حجة الوداع، وأعلن أن سيدنا عليا سيكون خليفة له. وصور الإيرانيون غير هذا من الأحداث في سيرة النبي عليه السلام، أو في سيرة بعض الأنبياء الآخرين.

10

ولكن علينا ألا ننسى أن المصورين الإيرانيين لم يتخذوا التصوير وسيلة لشرح عقائد الدين الإسلامي، ولم يظنوا كالمصورين المسيحيين أنهم دعامة من دعائم الدين، وأن آثارهم الفنية تشرح العقائد وتبعث في قلوب المؤمنين روح التدين والتقوى والتضحية. ولا عجب فقد كان المصورون المسلمون منبوذين من رجال الدين، بينما كانت الكنيسة المسيحية تظل الفنانين بحمايتها ورعايتها حتى غلب على لوحاتهم الفنية طابع ديني لم يستطيعوا التحرر منه إلا منذ القرن الثامن عشر الميلادي.

على أننا لا نستطيع أن ننكر أن التصوير الإيراني كان محدود المجال، وأنه لم ينتشر انتشار التصوير في المدارس الغربية، ولم يكن للجمهور نصيب وافر فيه، بل كان يقوم على أكتاف الملوك والأمراء.

وجدير بنا أن نشير إلى مذهب «الأيكونو كلاسم» أو كاسري الصور (من اليونانية

eikôn

بمعنى صورة و

klaô

بمعنى يكسر) وهو مذهب أحدثه ليون الثالث إمبراطور بيزنطة في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) وحرم فيه عبادة صور القديسين وتماثيلهم التي كانت شائعة بين بسطاء القوم من المسيحيين؛ ولما لم تنفذ تعاليمه بدقة أمر بكسر التحف الفنية الدينية. ثم جاء مجمع نيقية سنة 787م فقضى على مذهب كاسري الصور في الكنيسة المسيحية الشرقية. أما في الغرب فقد حارب البروتستانت الصور والتماثيل في القرن السادس عشر الميلادي، ويرجح أن القائمين بحركة كاسري الصور عند المسيحيين في القرن الثامن الميلادي كانوا متأثرين بتعاليم المسلمين في هذا الصدد.

11

وفضلا عن ذلك فإننا نلاحظ أن المسيحية كانت منذ البداية تفضل التصوير على النحت، فكأنها كانت لا تثق كل الثقة بفن النحت، الذي خلدت آثاره آلهة العصور الوثنية في تماثيل غاية في الجمال والإبداع، واعتبرت الكنيسة التصوير فنا أكثر قدسية؛ ففقد النحت قسطا كبيرا من جلال شأنه. (2) نشأة التصوير الإسلامي في إيران

أما نشأة فن التصوير في المخطوطات الإيرانية فلسنا نستطيع أن نعرف صاحب الفضل فيها على وجه التحقيق. أجل، إن الصور الحائطية كانت معروفة في إيران منذ الأزمنة القديمة، ولا سيما في العصر الساساني، وكانت تزين بها جدران القصور على النحو المعروف في الهند. وقد عثر الأستاذ هرتزفلد

Herzfeld

على نماذج منها بإقليم سجستان في شرقي الهضبة الإيرانية، ولكننا لا نعرف تماما هل كان هذا التصوير الحائطي والتصوير عند أتباع المذهب المانوي الأساس الذي قام عليه التصوير في إيران، أو أن علينا ألا ننسى أساليب التصوير عند أتباع الكنيسة المسيحية الشرقية في العراق والجزيرة،

12

وأن ننسب إليها قسطا وافرا من الأساليب الفنية التي اتخذها الإيرانيون في فن التصوير.

ولعل الأفضل أن ننسب قيام فن التصوير في المخطوطات عند الإيرانيين إلى تلك المصادر مجتمعة، مضافا إليها بعض الأساليب التي نقلتها إيران عن الصين والهند. أما الصور الحائطية فقد أصبح استعمالها في العصر الإسلامي يكاد يكون مقصورا على جدران الحمامات والقاعات الخاصة.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلاميص ٢٧