4
وقد ظهر في عالم التحف الإيرانية مصحف فيه بعض صور توضح مناظر في قصص الأنبياء، ولكنه كتب سنة 1219ه/1804م، وأكبر الظن أن مصوره تأثر بفكرة التصوير الديني في الغرب، ومن المحتمل أن الصور المرسومة في هذا المصحف أحدث عهدا منه؛ لأن الخطاط لم يترك لها مكانا فعمد المصور إلى حذف بعض الآيات وتغطية مكانها بالصور، وقد يكون هذا كله من عمل أحد تجار العاديات أو المشتغلين بها؛ أراد أن يجعل لهذا المصحف شأنا فنيا عظيما فأضاف إليه بعض الصور.
5
وصفوة القول أن الإيرانيين لم يقبلوا عن طيب خاطر تعاليم رجال الدين في النهي عن تصوير الكائنات الحية، وأنهم كانوا أكثر الشعوب الإسلامية مخالفة لتلك التعاليم.
ولعل موقفهم هذا يرجع إلى الأسباب الآتية:
أولا:
أنهم شعب ميال للفن بفطرته وله إحساس بالجمال أعمق وأقوى من أن يستطيع إطفاء جذوته أي عامل خارجي.
ثانيا:
أن أكثر المسلمين من ذوي المحيط العقلي الواسع والأفكار الحرة والتسامح الديني يذهبون إلى أن تحريم التصوير في فجر الإسلام، كان يقصد به محاربة عبادة الأوثان التي كان المسلمون لا يزالون حديثي العهد بها.
ثالثا:
أن رجال الدين كانوا يفسرون تحريم التصوير بأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى؛ ومن ثم نشأ قول بعضهم إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصورة التي ليس لها ظل. والظاهر أن هذه الرهبة من تقليد الخالق لا يفهمها الإيرانيون تماما؛ فهم يبجلون الله عز وجل ويعظمونه في كل شيء، ولا يخشون تقليده؛ ولا غرو فإن الزرادشتية - وهي دينهم الوطني قبل الإسلام - كانت تشعرهم باشتراكهم مع «أهورا مزدا» إله النور والخير في محاربة «أهرمن» إله الظلمة والشر.
6
رابعا:
أن الإيرانيين قوم من الجنس الآري، ولم يكونوا كالساميين يحسون شعورا نفسانيا يبعدهم عن التصوير، أو ينسبون إلى الصور قوى سحرية وشرورا جمة.
7
خامسا:
أنهم ورثوا أساليب فنية في النقش والتصوير عن أسلافهم من الكيانيين والساسانيين، وأن ماني - مؤسس المذهب الذي ينسب إليه - ظهر بينهم، وكان مصورا ماهرا اتخذ التصوير أداة لنشر تعاليمه، واستخدمه في توضيح كتبه، وكان الإيرانيون يعجبون بمهارته في التصوير، على الرغم من أن أكثرهم كان ينكر تعاليمه ومعتقداته.
سادسا:
أنهم كانوا مغرمين بالشعر إلى حد كبير، ولا سيما ما كان يمت بصلة كبيرة إلى تاريخهم المجيد وشعورهم الوطني وطبيعة بلادهم. وكان توضيح المخطوطات الشعرية بالصور يحقق الغرض منها ويلائم مزاجهم الفني.
8
بقي علينا أن نعرف السبب الذي يمكننا أن ننسب إليه جمود التصوير الإيراني وبعده عن الطبيعة، بعد أن رأينا أنهما لا يرجعان فقط إلى تعاليم الدين الإسلامي في تحريم التصوير، تلك التعاليم التي لم يكن لها في إيران تأثير قوي.
ونحن نذهب إلى أن المسئول عن طبيعة التصوير الإيراني، هي البيئة التي كان يعيش فيها الفنانون، والأساليب الفنية التي ورثوها عن أسلافهم من سكان الهضبة الإيرانية وبلاد العراق والجزيرة والشرق الأدنى عامة، فإن هؤلاء لم يكن لديهم من الحفلات والألعاب الرياضية والمناظر الطبيعية والعناية بالتربية البدنية وتقوية الأجسام، ما يمكن أن يدفعهم - كالإغريق مثلا - إلى دراسة الجسم الإنساني دراسة متقنة، والعمل على تصويره أو صناعة التماثيل له بدقة يراعى فيها صدق تمثيل الطبيعة. وحسبنا أن نوازن بين تمثال إغريقي وتمثال قديم من إيران أو العراق لندرك الفرق بين المدرستين في الفن: مدرسة الإغريق والفنون الغربية التي انحدرت منها ونسجت على منوالها، ومدرسة الشرق الأدنى والفنون الإسلامية - ولا سيما الإيرانية - التي ورثتها واقتفت آثارها. والواقع أن الفن الإيراني من خير الأمثلة لتوضيح نظرية «تين»
Taine
في تأثير البيئة على طبيعة الفنون.